تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1024

مساهمون:

ص١٠٢٤
القرية ، وهم بنو النضير . ( ف ) إنكم يا معشر المسلمين ما
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
، أي : ما أجلبتم ولا حشدتم ، أي : لم تتعبوا بتحصيلها ، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم ، بل قذف اللّه في قلوبهم الرعب ، فأتتكم صفوا عفوا . ولهذا قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. ومن تمام قدرته ، أنه لا يمتنع عليه ممتنع ، ولا يعزز من دونه قويّ . وتعريف الفيء باصطلاح الفقهاء : هو ما أخذ من مال الكفار بحق ، من غير قتال ، كهذا المال الذي فرّوا وتركوه خوفا من المسلمين ، وسمي فيئا ، لأنه رجع من الكفار ، الّذين هم غير مستحقين له ، إلى المسلمين الّذين لهم الحقّ الأوفر فيه . [ 7 ] وحكمه العام ، كما ذكره اللّه بقوله :
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
عموما ، سواء كان في وقت الرسول أو بعده ، على من تولى « الإمارة » من بعده من أمته .
فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
، وهذه الآية نظير الآية الّتي في سورة الأنفال ، وهي قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
. فهذا الفيء يضم خمسة أقسام : للّه ، ولرسوله ، يصرف في مصالح المسلمين العامة . وخمس لذي القربى ، وهم : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، حيث كانوا ، يسوّى فيه بين ذكورهم وإناثهم . وإنّما دخل بنو المطلب في خمس الخمس مع بني هاشم ، ولم يدخل بقية بني عبد مناف ، لأنهم شاركوا بني هاشم ، في دخولهم الشعب ، حين تعاقدت قريش على هجرهم وعداوتهم ، فنصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخلاف غيرهم ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في بني عبد المطلب : « إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام » . وخمس لفقراء اليتامى ، وهم : من لا أب له ولم يبلغ . وخمس للمساكين . وخمس لأبناء السبيل ، وهم الغرباء المنقطع بهم في غير أوطانهم . وإنّما قدر اللّه هذا التقدير ، وحصر الفيء ، في هؤلاء المعينين
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً
، أي : مداولة واختصاصا
بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
، فإنه لو لم يقدره ، لتداولته الأغنياء الأقوياء ، ولما حصل لغيرهم من العاجزين منه شيء ، وفي ذلك من الفساد ، ما لا يعلمه إلا اللّه . كما أن في اتباع أمر اللّه وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر ، ولذلك أمر اللّه بالقاعدة الكلية ، والأصل العام ، فقال :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
، وهذا شامل لأصول الدين وفروعه ، وظاهره وباطنه ، وأن ما جاء به الرسول ، يتعين على العباد الأخذ به واتباعه ، ولا تحل مخالفته ، وأن نص الرسول على حكم الشيء ، كنص اللّه تعالى ، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه ، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله . ثمّ أمر بتقواه ، الّتي بها عمارة القلوب والأرواح ، والدنيا والآخرة ، وبها السعادة الدائمة ، والفوز العظيم ، وبإضاعتها الشقاء الأبدي ، والعذاب السرمدي ، فقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
على من ترك التقوى ، وآثر اتباع الهوى . [ 8 ] ثمّ ذكر تعالى ، الحكمة والسبب الموجب لجعله تعالى أموال الفيء ، لمن قدرها له ، وأنهم حقيقون بالإعانة ، مستحقون لأن تجعل لهم ، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات ، من الديار والأوطان ، والأحباب والخلان ، والأموال ، رغبة في اللّه ، ومحبة لرسول اللّه . فهؤلاء هم الصادقون الّذين عملوا بمقتضى