تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1019

مساهمون:

ص١٠١٩
[ 8 - 9 ] ثم قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
، إلى :
تُحْشَرُونَ
. النجوى هي : التناجي بين اثنين فأكثر ، وقد تكون في الخير ، وتكون في الشر . فأمر اللّه المؤمنين أن يتناجوا بالبر ، وهو : اسم جامع لكل خير وطاعة ، وقيام بحق اللّه ، وحق عباده ، والتقوى ، وهي - هنا - : اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم . فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي ، فلا تجده مناجيا ومتحدثا ، إلا بما يقربه إلى اللّه ، ويباعده من سخطه . والفاجر يتهاون بأمر اللّه ويناجي بالإثم والعدوان ، ومعصية الرسول ، كالمنافقين الّذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . قال تعالى :
وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ
، أي : يسيئون الأدب في تحيتهم لك .
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ
، أي : يسرون فيها ما ذكر عالم الغيب والشهادة عنهم ، وهو قولهم :
لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ
. ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك ، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم ، أن ما يقولونه غير محذور . وقال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل :
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ
، أي : تكفيهم جهنم ، الّتي جمعت كلّ عذاب وشقاء عليهم ، تحيط بهم ، ويعذبون بها
فَبِئْسَ الْمَصِيرُ
، أي : المرجع والمآل : جهنم . وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين ، يظهرون الإيمان ، ويخاطبون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا ، وهم كذبة في ذلك ، وإما أناس من أهل الكتاب ، الّذين سلموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا : « السام عليك يا محمد » يعنون : الموت . [ 10 ] يقول تعالى :
إِنَّمَا النَّجْوى
، أي : تناجي أعداء المؤمنين بالمؤمنين ، بالمكر والخديعة وطلب السوء ،
مِنَ الشَّيْطانِ
، الذي كيده ضعيف .
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا
، هذا غاية هذا المكر ومقصوده .
وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
فإن اللّه وعد المؤمنين بالكفاية ، والنصر على الأعداء ، وقال تعالى :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
. فأعداء اللّه ورسوله والمؤمنين ، مهما تناجوا ومكروا فإن ضرر ذلك عائد إلى أنفسهم ، ولا يضر المؤمنين إلا شيء قدره اللّه وقضاه .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
، أي : ليعتمدوا عليه ، ويثقوا بوعده ، فإن من توكل على اللّه كفاه كيد الأعداء ، وكفاه أمر دينه ودنياه . [ 11 ] هذا أدب من اللّه لعباده ، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم ، واحتاج بعضهم ، أو بعض القادمين للتفسح له في المجلس ، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود . وليس ذلك بضار للفاسح شيئا ، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه ، والجزاء من جنس العمل ، فإن من فسح لأخيه ، فسح اللّه له ، ومن وسع لأخيه ، وسع اللّه عليه .
وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا
، أي : ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم ، لحاجة تعرض .
فَانْشُزُوا
أي : فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة . فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان ، واللّه تعالى يرفع أهل العلم والإيمان ، درجات بحسب ما خصهم به من العلم والإيمان .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فيجازي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وفي هذه الآية فضيلة العلم وأن زينته وثمرته التأدب بآدابه ، والعمل بمقتضاه .