والأظهر عندنا هو ما قدمنا ، لأنه تحقق أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على قاذفه ، فلا يحد لمن تحقق أنه غير عفيف .
وإنما وجب الحد قبل هذا ، لأن عدم عفته كان مستورا ، ثم ظهر قبل إقامة الحد .
والعلم عند اللّه تعالى .
المسألة التاسعة : [ فيمن قال لرجل : يا من وطئ بين الفخذين ]
اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل : يا من وطئ بين الفخذين ، أنه ليس بقذف ، ولا يحد قائله ، لأنه رماه بفعل لا يعد زنا إجماعا ، خلافا لابن القاسم من أصحاب مالك القائل : بوجوب الحد زاعما أنه تعريض به . والعلم عند اللّه تعالى .
المسألة العاشرة : [ حد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا طلب المقذوف ]
اعلم أن حد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا طلب المقذوف إقامة الحد عليه ، لأنه حق له ، ولم يكن للقاذف بيّنة على ما ادعى من زنا المقذوف ، لأن اللّه يقول :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
ومفهوم الآية : أن القاذف لو جاء بأربعة شهداء على الوجه المقبول شرعا أنه لا حد عليه ، وإنما يثبت بذلك حد الزنا على المقذوف ، لشهادة البينة ، ويشترط لذلك أيضا عدم إقرار المقذوف ، فإن أقر بالزنا ، فلا حد على القاذف . وإن كان القاذف زوجا اعتبر في حده حد القذف امتناعه من اللعان . قال ابن قدامة : ولا نعلم خلافا في هذا كله ثم قال : وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد ، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط ، وبهذا قال الشافعي ، وأبو ثور . وقال الحسن وأصحاب الرأي : لا يسقط بعفوه لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود . ولنا أنه حد لا يستوفي إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص ، وفارق سائر الحدود . فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها ، وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا باستيفاء الحد ، ولأنهم قالوا تصح دعواه ، ويستحلف فيه ، ويحكم الحاكم فيه بعلمه ، ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف . فدل على أنه حق الآدمي . ا ه من المغني ، وكونه حقا لآدمي هو أحد أقوال فيه .
قال أبو عبد اللّه القرطبي : واختلف العلماء في حد القذف ، هل هو من حقوق اللّه ، أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما ؟
الأول : قول أبي حنيفة .
والثاني : قول مالك والشافعي .
والثالث : قاله بعض المتأخرين .
وفائدة الخلاف أنه كان حقا للّه تعالى وبلغ الإمام أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين اللّه تعالى ، ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنا ، وإن كان حقا للآدمي ، فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف ، ويسقط بعفوه ولم تنفع القاذف التوبة حتى