وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
[ الأنعام : 153 - 154 ] الآية ، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري .
وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
[ البقرة : 199 ] . ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله :
إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده
وقوله تعالى : في هذه الآية الكريمة :
وَرَبُّ الْمَشارِقِ ،
( 5 ) لم يذكر في هذه الآية إلا المشارق وحدها ، ولم يذكر فيها المغارب .
وقد بيّنا في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] : وجه اختلاف ألفاظ الآيات في ذلك . فقلنا فيه في الكلام على قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
[ البقرة : 115 ] ما لفظه أفرد في هذه الآية الكريمة المشرق والمغرب ، وثناهما في سورة الرحمن في قوله تعالى :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
( 17 ) [ الرحمن : 17 ] وجمعهما في سورة « سأل سائل » في قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
[ المعارج : 40 ] وجمع المشارق في سورة الصافات في قوله تعالى :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ
( 5 ) [ الصافات : 5 ] .
والجواب : أن قوله هنا :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
المراد به جنس المشرق والمغرب ، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون ، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك كما روي عن ابن عباس « 1 » وغيره .
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه : وإنما معنى ذلك : وللّه المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم ، والمغرب الذي تغرب فيه كلّ يوم .
فتأويله إذا كان ذلك معناه : وللّه ما بين قطري المشرق وقطري المغرب إذا كان شروق الشمس كلّ يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده ، وكذلك غروبها . انتهى منه بلفظه .
وقوله :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
( 17 ) [ الرحمن : 17 ] يعني مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف ، ومغربهما كما عليه الجمهور ، وقيل : مشرق الشمس والقمر ومغربهما .
وقوله :
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
[ المعارج : 40 ] أي مشارق الشمس ومغاربها كما تقدم .
وقيل : مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 )
[ 6 ] الآية .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 15 / 93 .