تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة : فإن قلت : ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات ؟ قلت : إمّا أن تدلّ على ترتب معانيها في الوجود كقوله :
يا لهف زيابة للحارث ال * صابح فالغانم فالآئب
كأنه قيل : الذي صبح فغنم فآب ، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل ، واعمل الأحسن فالأجمل ، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله : رحم اللّه المحلقين فالمقصرين ، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات . فإن قلت : فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده ؟ قلت : إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل ، وإن ثلثته فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه . بيان ذلك : أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة ، وجعلتهم جامعين لها فعطفها بالفاء يفيد ترتبا لها في الفضل ، إما أن يكون الفضل للصف ، ثم للزجر ثم للتلاوة . وإما على العكس ، وكذلك إن أردت العلماء وقوّاد الغزاة . وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر ، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل ، والتاليات أبهر فضلا أو على العكس ، وكذلك إذا أردت بالصافات الطير ، وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية ، وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر ، فإن الموصوفات مختلفة . انتهى كلام الزمخشري في الكشاف . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : كلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان ، والقرطبي ، ولم يتعقبوه ، والظاهر أنه كلام لا تحقيق فيه ، ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره : هل هو كذا أو على العكس ، وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله ، لأن من جزم بشيء ثم جوز فيه النقيضين دل ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به . والأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرد الترتيب الذّكري والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذّكري فقط ، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات أسلوب عربي معروف جاء في القرآن في مواضع ، وهو كثير في كلام العرب . ومن أمثلته في القرآن العظيم قوله تعالى :
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 11 - 17 ] الآية ، فلا يخفى أن ثم حرف ترتيب وأن المرتب به الذي هو كونه من الذين آمنوا لا ترتب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذّكري ، ومن ذلك أيضا قوله تعالى :