تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
وممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي جماعات الملائكة : ابن عباس ، وابن مسعود ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد وقتادة ؛ كما قاله القرطبي « 1 » وابن كثير « 2 » وغيرهما ، وزاد ابن كثير وغيره ممن قال به : مسروقا والسدي والربيع بن أنس ، وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل العلم . وقال بعض أهل العلم : الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء . واستأنس لذلك بقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ
[ الملك : 19 ] الآية . وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النور : 41 ] الآية . وقال بعض العلماء : المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم للصلاة ، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو ، كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
( 4 ) [ الصف : 4 ] . وقال بعض العلماء أيضا المراد بالزاجرات زجرا ، والتاليات ذكرا : جماعات العلماء العاملين يلقون آيات اللّه على الناس ، ويزجرون عن معاص اللّه بآياته ، ومواعظه التي أنزلها على رسله . وقال بعضهم : المراد بالزاجرات جماعات الغزاة يزجرون الخيل ، لتسرع إلى الأعداء ، والقول الأول أظهر وأكثر قائلا ، ووجه توكيده تعالى قوله :
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ
( 4 ) بهذه الأقسام ، و « بإنّ » و « اللام » هو أن الكفار أنكروا كون الإله واحدا إنكارا شديدا وتعجبوا من ذلك تعجبا شديدا ، كما قال تعالى عنهم :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ،
( 5 ) ولما قال تعالى :
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ
( 4 ) أقام الدليل على ذلك بقوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ ،
( 5 ) فكونه خالق السماوات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب ، برهان قاطع على أنه المعبود وحده . وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده ، أقامه على ذلك أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة البقرة :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
( 163 ) [ البقرة : 163 ] ، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متّصلا به :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( 164 ) [ البقرة : 164 ] .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 15 / 61 . ( 2 ) التفسير 4 / 3 .