شك فيه ، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه ، ولا منافاة بينهما أصلا ، حتى يرجح المتواتر على الآحاد ، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين ، لأن كلا منهما حق في وقته ؛ فلو قالت لك جماعة من العدول : إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن ؛ ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته ، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة ، لأن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم ، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك فأخبرك ذلك الإنسان بقدومه وهو صادق .
وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور ؛ فالمتواتر في وقته قطعي ؛ ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي ؛ فنسخه بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه ؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى .
ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه : « أن رجلا أقر عنده صلى اللّه عليه وسلّم أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت ؛ فجلده الحد ؛ وتركها » . وما رواه أبو داود أيضا عن ابن عباس : « أن رجلا من بكر بن ليث أقر عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه زنى بامرأة أربع مرات ؛ وكان بكرا فجلده النبي صلى اللّه عليه وسلّم مائة ، وسأله صلى اللّه عليه وسلّم البينة على المرأة إذا كذبته ، فلم يأت بها ؛ فجلده حد القرية ثمانين جلدة » ؛ قالوا ولو كان التغريب واجبا لما أخل به النبي صلى اللّه عليه وسلّم .
ومن أدلتهم أيضا : الحديث الصحيح « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » الحديث ، وهو متفق عليه ، ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد ، فدل ذلك على أن التغريب منسوخ ، وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامه صلى اللّه عليه وسلّم أن الجمع بين جلد البكر ، ونفيه سنة قضاء منه صلى اللّه عليه وسلّم بكتاب اللّه .
وإيضاح ذلك : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب اللّه ، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع ، ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار : إن النبي صلى اللّه عليه وسلّم هو المبين ، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب اللّه . قال : وخطب بذلك عمر رضي اللّه عنه على رؤوس المنابر ؛ وعمل به الخلفاء الراشدون ؛ ولم ينكره أحد فكان إجماعا . ا ه منه .
وذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب .
والحاصل : أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب ؛ ولا التصريح بعدمه ؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإقسام : بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب اللّه أو بعده ؟ فعلى أن المتأخر الإقسام المذكور فالأمر واضح ؛ وعلى تقدير : أن الإقسام هو المتقدم . فذلك التصريح : بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب اللّه مع الإقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل ؛ ولو تكررت الروايات تكررا كثيرا . وعلى أنه
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 43
مساهمون: الشنقيطي
ص٤٣