وأظهر القولين أيضا عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه ، لأن السجن عقوبة زائدة على التغريب ، فتحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليها ، والعلم عند اللّه تعالى . والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير وطنه الأصلي .
المسألة السادسة : [ من أقر بأنه أصاب حدا ، ولم يعين ذلك الحد ، فإنه لا يجب عليه الحد ]
اعلم أن من أقر بأنه أصاب حدا ، ولم يعين ذلك الحد ، فإنه لا يجب عليه الحد ، لعدم التعيين وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه ، لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي اللّه عنه قال « كنت عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فجاءه رجل فقال يا رسول اللّه إني أصبت حدا فأقمه عليّ ، قال : ولم يسأله عنه قال : وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم فلما قضى النبي صلى اللّه عليه وسلّم الصلاة ، قام إليه الرجل فقال : يا رسول اللّه : إني أصبت حدا فأقم فيّ كتاب اللّه ، قال : أليس صليت معنا ؟ قال : نعم . قال : فإن اللّه قد غفر لك ذنبك أو قال :
حدك » « 1 » هذا لفظ البخاري في صحيحة . والحديث متفق عليه . ولمسلم وأحمد من حديث أبي أمامة نحوه « 2 » : وهو نص صحيح صريح في أن من أقر بحد ولم يسمه ، لا حد عليه كما ترى ، والعلم عند اللّه تعالى .
المسألة السابعة : في حكم رجوع الزاني المقر بالزنى أو رجوع البينة قبل إتمام إقامة الحد عليه .
أما الزاني المقر بزناه إذا رجع عن إقراره ، سقط عنه الحد ، ولو رجع في أثناء إقامة الحد من جلد أو رجم . هذا هو الظاهر .
قال ابن قدامة : وبه قال عطاء ويحيى بن يعمر ، والزهري ، وحماد ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف . وقد حكى ابن قدامة خلاف هذا عن جماعة وروايته عن مالك ضعيفة .
والظاهر لنا هو ما ذكرنا من سقوط الحد عنه برجوعه عن إقراره ، ولو في أثناء إقامة الحد لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لهم لما تبعوا ماعزا بعد هربه « ألا تركتموه ؟ » وفي رواية « هلا تركتموه ؟ فلعله يتوب فيتوب اللّه عليه » وفي ذلك دليل على قبول رجوعه ، وعليه أكثر أهل العلم ، وهو الحق إن شاء اللّه تعالى . وأما رجوع البينة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوصه نصا من كتاب ولا سنة ، والعلماء مختلفون فيه .
واعلم أن له حالتين .
إحداهما : أن يكون رجوعهم ، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحد على الزاني
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المحاربين من أهل الكفر والردة حديث 6823 ، ومسلم في التوبة حديث 44 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الحدود حديث 45 ، وأحمد في المسند 5 / 51 ، 52 ، 62 ، 63 .