أما الذين قالوا : يغرب البكر الزاني سنة ، فاحتجوا بأن ذلك ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثبوتا لا مطعن فيه ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرا عنده ، وفيه : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللّه : الوليدة والغنم ، رد عليك وعلى ابنك ، جلد مائة وتغريب عام » « 1 » الحديث وفيه التصرح من النبي صلى اللّه عليه وسلّم برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب اللّه ، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب اللّه جلد ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عاما ، وهذا أصح نص وأصرحه في محل النزاع . ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره وهو حديث عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه الذي قدمناه ، وفيه : « البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة » « 2 » . وهو أيضا نص صحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم صريح في محل النزاع . واحتج الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة :
منها : أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى :
فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] والمقرر في أصول الحنفية هو أن الزيادة على النص نسخ له ، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخا للآية فهم يقولون : إن الآية متواترة ، وأحاديث التغريب أخبار آحاد . والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد ، وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم ، أما الأول منهما وهو أن كل زيادة على النص ، فهي ناسخة له ليس بصحيح ، لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق ؛ إلا إن كانت مثبتة شيئا قد نفاه النص أو نافية شيئا أثبته النص ، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق ، ولم يتعرض لنفيه ، ولا لإثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية ، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي ، حتى يرد دليل ناقل عنه ، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتا بدليل شرعي .
وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
[ الأنعام : 145 ] .
وفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل على آيات الحج وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك .
وأما الأمر الثاني : وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد ؛ فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفا ، أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطا لا
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) سبق تخريجه .