تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق ، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما : أبو هريرة ، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب اللّه ، لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن . أما كونه في السند : فظاهر ، وأما كونه في المتن : فلأن حديث أبي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب ، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الأصول ، وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب . وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد ، فهي تجلد خمسين ، ولو محصنة ، ولا ترجم . والأحرار بخلاف ذلك ، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف . وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين : إحداهما : أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة ، فعليها الجلد لا الرجم . والثانية : أن عليها نصفه ، وذلك في قوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
[ النساء : 25 ] فتأمل قوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ
وقوله :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
يظهر لك ما ذكرنا . ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه : هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك ، والعلم عند اللّه تعالى .

فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول : [ اختلف القائلون بالتغريب في تغريب المرأة ]

اعلم أن الذين قالوا بالتغريب ، وهم الجمهور اختلفوا في تغريب المرأة ، فقال جماعة من أهل العلم : تغرب المرأة سنة لعموم أدلة التغريب ، وممن قال به : الشافعي وأحمد ، وقال بعض أهل العلم : لا تغريب على النساء ، وممن قال به مالك والأوزاعي ، وروي مثله عن علي رضي اللّه عنه . أما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب ، وظاهرها شمول الأنثى ، وأما الذين قالوا : لا تغريب على النساء ، فقد احتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر ، إلا مع محرم أو زوج . وقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة القصر . قالوا : لا يجوز سفرها دون محرم ، ولا يكلف محرمها بالسفر معها ، لأنه لا ذنب له يكلف السفر بسببه ، قالوا : ولأن المرأة عورة وفي تغريبها تضييع لها ، وتعريض لها للفتنة ، ولذلك نهيت عن السفر إلا مع محرم أو زوج ، قالوا : وغاية ما في الأمر ، أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 44 | الشنقيطي