تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
خصصته أحاديث نهي المرأة عن السفر إلا مع محرم أو زوج ، وهذا لا إشكال فيه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي أنها إن وجد لها محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى فيه فتنة ، مع تبرع المحرم المذكور بالرجوع معها إلى محلها ، بعد انتهاء السنة ، فإنها تغرب ، لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في الحالة المذكورة . وأما إن لم تجد محرما متبرعا بالسفر معها ، فلا يجبر ، لأنه لا ذنب له ، ولا تكلف هي السفر بدون محرم ، لنهيه صلى اللّه عليه وسلّم عن ذلك . وقد قدمنا مرارا أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح ، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وهذا التفصيل الذي استظهرنا لم نعلم أحدا ذهب إليه ، ولكنه هو الظاهر من الأدلة ، والعلم عند اللّه تعالى .

الفرع الثاني : [ اختلاف العلماء في تغريب العبد والأمة ]

اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة ، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك . وأظهر أقوالهم عندنا : أن المملوك لا يغرب ، لأنه مال ، وفي تغريبه إضرار بمالكه ، وهو لا ذنب له ويستأنس له بأنه لا يرجم ، ولو كان محصنا ، لأن إهلاكه بالرجم إضرار بمالكه . ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلّم « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » الحديث ، ولم يذكر تغريبا ، وقد فهم البخاري رحمه اللّه عدم نفي الأمة من الحديث المذكور ، ولذا قال في ترجمته : باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفي . وقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع ، لأنهم من جملة المكلفين ، أو لا يدخلون في عموم النصوص ، إلا بدليل منفصل لكثرة خروجهم من عموم النصوص ، كما تقدم إيضاحه . وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلا ما أخرجهم منه دليل ، واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله :
والعبد والموجود والذي كفر * مشمولة له لدى ذوي النظر
وإخراجهم هنا من نصوص التغريب ، لأنه صلى اللّه عليه وسلّم أمر بجلد الأمة الزانية وبيعها ، ولم يذكر تغريبها ، ولأنهم مال ، وفي تغريبهم إضرار بالمالك . وفي الحديث « لا ضرر ولا ضرار » والعلم عند اللّه تعالى .

تنبيه

أظهر القولين عندي : أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة ، لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد الذي زنى فيه .