لم يبين هنا نوع هذا العذاب ، ولكنه بينه بقوله في الحج :
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 51 ) [ الحج : 51 ] وقوله :
مُعاجِزِينَ
: أي مغالبين ، ومسابقين يظنون أنهم يعجزون ربهم ، فلا يقدر على بعثهم وعذابهم ، والرجز العذاب كما قال :
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً
[ البقرة : 59 ] الآية ، وقرأ هذا الحرف ابن كثير ، وأبو عمرو : معجزين بلا ألف بعد العين مع تشديد الجيم المكسورة . وقرأه الباقون بألف بعد العين ، وتخفيف الجيم ، ومعنى قراءة التشديد أنهم يحسبون أنهم يعجزون ربهم ، فلا يقدر على بعثهم وعقابهم .
وقال بعضهم : أن معنى معجزين بالتشديد : أي مثبطين الناس عن الإيمان وقرأ ابن كثير ، وحفص من رجز أليم : بضم الميم من قوله : أليم على أنه نعت لقوله : عذاب . وقرأ الباقون : أليم بالخفض على أنه نعت لقوله : رجز .
قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 )
وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ( 8 )
[ 7 - 8 ] .
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار البعث ، وتكذيب اللّه لهم في ذلك قدم موضحا في مواضع كثيرة ، من هذا الكتاب في البقرة والنحل وغيرهما .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
أي تمزقت أجسادكم وتفرقت وبليت عظامكم ، واختلطت بالأرض . وتلاشت فيها . وقوله عنهم :
إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
( 7 ) أي البعث بعد الموت وهو مصب إنكارهم قبحهم اللّه ، وهو جل وعلا يعلم ما تلاشى في الأرض من أجسادهم ، وعظامهم كما قال تعالى :
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
( 4 ) [ ق : 4 ] .
قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ 9 ] .
ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من توبيخ الكفار ، وتقريعهم على عدم تفكرهم ونظرهم إلى ما بين أيديهم ، وما خلفهم من السماء والأرض ، ليستدلوا بذلك على كمال قدرة اللّه على البعث ، وعلى كل شيء ، وأنه هو المعبود وحده جاء موضحا في مواضع أخر ، كقوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
( 8 ) [ ق : 6 - 8 ] . وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
[ الأعراف : 185 ] . وقوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
( 105 ) [ يوسف : 105 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة .