وإنما قلنا : إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر ، لأن قوله تعالى : مسكينا تمييز لعدد هو الستون ، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه ، وهو لا يصح ، ولا يخفى أن نفع ستين مسكينا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يوما ، لفضل الجماعة ، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإطعام فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة من دعاء واحد ، وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى ، وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه :
فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً
[ المجادلة : 4 ] لا يخفى فيه أن قوله : فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله ، فلفظ : ستين الذي أضيف إليه المصدر ، هو عين المفعول به الواقع عليه الإطعام ، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإطعام ، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى : مسكينا ، وبذلك يتحقق أن الإطعام في الآية واقع على نفس العدد الذي هو ستون ، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن ، عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى ، وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في أصولهم لما يسمونه التأويل البعيد والتأويل الفاسد ، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله :
فجعل مسكين بمعنى المد * عليه لائح سمات البعد
الفرع الرابع عشر : في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من الطعام :
اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك ، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين من البر الذي هو الفتح مدا وثلثي مد ، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر والشعير ، لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر ، قال خليل المالكي في مختصره في إطعام كفارة الظهار : لكل مد وثلثان برا ، وإن اقتاتوا تمرا أو مخرجا في الفطر فعدله . انتهى محل الغرض منه .
وقال شارحه المواق : ابن يونس ينبغي أن يكون الشبع مدين ، إلا ثلثا بمد النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وهي عيار مد هشام ، فمن أخرج به أجزأه ، قاله مالك ، قال ابن القاسم : فإن كان عيش بلدهم تمرا أو شعيرا أطعم منه المظاهر عدل مد هشام بن البر . انتهى محل الغرض منه ، ومذهب أبي حنيفة : أنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا كاملا من تمر أو شعير . ومذهب الشافعي : أنه يعطي كل مسكين مدا مطلقا ومعلوم : أن المد النبوي ربع الصاع ، قال في المغني : وقال أبو هريرة : ويطعم مدا من أي الأنواع كان ، وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي ا ه . ومذهب أحمد : أنه يعطي كل مسكين مدا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير . ا ه .
وإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع ، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ابن قدامة