شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً
[ المجادلة : 4 ] .
ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم وشدة الشبق ، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع صاحبها الصبر عنه ، ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار ، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت ، ونزل في ذلك قوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
[ المجادلة : 1 ] الآيات ، قال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « يعتق رقبة يعني زوجها أوسا قالت : لا يجد ، قال : يصوم شهرين متتابعين ؟
قالت : يا رسول اللّه : إنه شيخ كبير ما به من صيام ، قال : فليطعم ستين مسكينا » الحديث « 1 » ، ومحل الشاهد منه أنها لما قالت : له : إنه شيخ كبير اقتنع صلى اللّه عليه وسلّم بأن ذلك عذر في الانتقال ، عن الصوم إلا الإطعام ، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنه ، والحديث وإن تكلم فيه ، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج .
وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقا في هذا المبحث ، أنه قال : كنت امرءا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري ، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان ، فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار . الحديث وفيه قال « فصم شهرين متتابعين ، قال : قلت يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم . قال :
فتصدق » « 2 » ومحل الشاهد منه أنه لما قال له : صم شهرين أخبره أن جماعه في زمن الظهار ، إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع ، لأنه ظاهر من امرأته ، خوفا من أن تغلبه الشهوة ، فيجامع في النهار ، فلما ظاهر غلبته الشهوة ، فجامع في زمن الظهار ، فاقتنع صلى اللّه عليه وسلّم بعذره ، وأباح له الانتقال إلى الإطعام ، وهذا ظاهر .
وقال ابن قدامة في المغني : بعد أن ذكر أن الهرم ، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفا ، وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما .
الفرع الثالث عشر : أظهر قولي أهل العلم عندي : أنه لا يجزئ في الإطعام أقل من إطعام ستين مسكينا
وهو مذهب مالك ، والشافعي ، والمشهور من مذهب أحمد خلافا لأبي حنيفة القائل : بأنه لو أطعم مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه ، وهو رواية عن أحمد ، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولا بالمد ، والمعنى فإطعام ستين مدا ، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يوما .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) سبق تخريجه .