تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
والثاني : يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة ، لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطا وجبت فيه النية ، كالجمع بين الصلاتين . والثالث : تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها ، لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة ، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعا عبادة واحدة . لأنه كفارة واحدة ، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة وهو شهران متتابعان ، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة . وهذا ظاهر مذهب مالك ومذهب أحمد عدم الاحتياج إلى نية التتابع مطلقا ، وللشافعية وجهان أحدهما : كمذهب أحمد ، والثاني : يفتقر إلى النية كل ليلة .

الفرع الثامن : اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه ،

فقال بعض أهل العلم : إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع ، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر . وهذا مذهب أحمد . قال في المغني : وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال ابن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، والشعبي ، وطاوس ، ومجاهد ، ومالك ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، والشافعي في القديم ، وقال في الجديد : ينقطع التتابع ، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي والحكم والثوري ، وأصحاب الرأي قالوا : لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه ، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك ولا ينقطع حكم التتابع ، لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك واللّه جل وعلا يقول :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] ويقول :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] ، والنبي صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » ، وإن كان يمكنه التحرز عن الإفطار الذي قطع به التتابع كالإفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة ، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان ، لأن شهره الثاني رمضان ، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة ، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشريق ، فإن التتابع ينقطع بذلك ، لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر لقدرته على تأخير السفر عن الصوم كعكسه ، ولقدرته أيضا على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان ، ولا العيدان ، ولا أيام التشريق كما لا يخفى ، وإذا قطع التتابع بإفطار هو قادر على التحرز عنه بما ذكر ، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر لقوله تعالى :
فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ
[ المجادلة : 4 ] وقد ترك التتابع مع قدرته عليه ، هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند اللّه تعالى .