تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وقال ابن كثير في تفسيره : إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح وساق السند المذكور عن عمر رضي اللّه عنه ، والمتن فيه التحريم واليمين كما ذكرنا ، وعلى ما ذكرنا من أن آية :
لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
نزلت في تحريمه صلى اللّه عليه وسلّم جاريته ، فالفرق بين تحريم الجارية ، والزوجة ظاهر ، لأن آية لم تحرم دلت على أن تحريم الجارية لا يحرمها ، ولا يكون ظهارا وآية :
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
[ المجادلة : 3 ] الآية . دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في المجادلة لأن معنى
يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ
على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي . وهذا لا خلاف فيه ، وقوله : أنت عليّ كظهر أمي معناه أنت عليّ حرام ، كما تقدم إيضاحه ، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة ، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة ، وهما حكمان متغايران كما ترى ، ومعلوم أن ابن عباس رضي اللّه عنهما لم يقل بالفرق بينهما بل قال : إن حكم تحريم الزوجة ، كحكم الجارية المنصوص في آية التحريم ، ونحن نقول : إن آية الظهار تدل بفحواها على أن تحريم الزوجة ظهار ، لأن أنت عليّ كظهر أمي ، وأنت عليّ حرام معناهما واحد كما لا يخفى ، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة ، وإنما يلزم في تحريمها بظهار ، أو بصريح التحريم كفارة يمين أو الاستغفار كما تقدم ، وهذا أقرب لظاهر القرآن ، وإن كان كثير من العلماء على خلافه . وقد قدمنا أن تحريم الرجل امرأته فيه للعلماء عشرون قولا ، وسنذكرها هنا باختصار ونبين ما يظهر لنا رجحانه بالدليل منها إن شاء اللّه تعالى . القول الأول : هو أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل ، لا يترتب عليه شيء . قال ابن القيم في إعلام الموقعين : وهو إحدى الروايتين ، عن ابن عباس ، وبه قال مسروق ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعطاء ، والشعبي ، وداود وجميع أهل الظاهر ، وأكثر أصحاب الحديث ، وهو أحد قولي المالكية . اختاره أصبغ بن الفرج . وفي الصحيح عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول : إذا حرّم امرأته ، فليس بشيء ، وقال : ( لكم في رسول اللّه أسوة حسنة ) « 1 » وصح عن مسروق أنه قال : ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد . وصح عن الشعبي في تحريم المرأة لهو أهون عليّ من نعلي . وقال أبو سلمة : ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر . وقال الحجاج ابن منهال : إن رجلا جعل امرأته عليه حراما ، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن ، فقال حميد قال اللّه تعالى :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ .
( 7 ) وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب . ا ه منه . واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
( 116 ) [ النحل : 116 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الطلاق حديث 5266 ، ومسلم في الطلاق حديث 19 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 347 | الشنقيطي