تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
اعلم أن هذه المسألة قد بيناها في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميما للفائدة . ففي دفع إيهام الاضطراب ما نصه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
[ المجادلة : 3 ] . لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعود معا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معا . وقوله تعالى :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
صريح في أن التكفير يلزم كونه من قبل العود إلى المسيس . اعلم أولا : أن ما رجحه ابن حزم من قول داود الظاهري ، وحكاه ابن عبد البرّ عن بكير بن الأشج ، والفراء ، وفرقة من أهل الكلام وقال ابن شعبة : من أن معنى
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
هو عودهم إلى لفظ الظهار ، فيكررونه مرة أخرى قول باطل ، بدليل أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار ، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو لا ، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مرارا . والتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها ، لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار ، وما زعمه بعضهم أيضا من أن الكلام فيه تقديم وتأخير ، وتقديره : والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون لما قالوا سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضا لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب ، إلا لدليل . وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود :
كذاك تريب لإيجاب العمل * بما له الرجحان مما يحتمل
وسنذكر إن شاء اللّه الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة رضي اللّه عنهم وأرضاهم . فنقول وباللّه تعالى نستعين : معنى العود عند مالك فيه قولان ، تؤولت المدونة على كل واحد منهما وكلاهما مرجح . الأول : أنه العزم على الجماع فقط . الثاني : أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معا ، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية . لأن المعنى حينئذ : والذين يظاهرون من نسائهم ، ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع ، أو عليه مع الإمساك ، وبين الإعتاق قبل المسيس . وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة ، وهو واقع في القرآن كقوله تعالى :
إِذا
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 337 | الشنقيطي