تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
عدوا وحزنا ، وهذا معنى واضح ، لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره هذه الآية : ولكن إذا نظر إلى معنى السياق ، فإنه تبقى اللام للتعليل ، لأن معناه : أن اللّه تعالى قيضهم لالتقاطه ، ليجعله عدوا لهم وحزنا ، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه . انتهى محل الغرض من كلامه ، وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء اللّه تعالى ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
كما بينا وجهه آنفا . وبهذا التحقيق تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين ، وينشدون له الشواهد من أن اللام في قوله . ليكون : لام العاقبة ، والصيرورة خلاف للصواب ، وأن ما يقوله البيانيون ، من أن اللام في قوله : ليكون فيها استعارة تبعية ، في متعلق معنى الحرف ، خلاف الصواب أيضا . وإيضاح مراد البيانيين بذلك ، هو أن من أنواع تقسيمهم لما يسمونه الاستعارة التي هي عندهم ، مجاز علاقته المشابهة أنهم يقسمونها إلى استعارة أصلية ، واستعارة تبعية ، ومرادهم بالاستعارة الأصلية : الاستعارة في أسماء الأجناس الجامدة والمصادر ، ومرادهم باستعارة التبعية قسمان : أحدهما : الاستعارة في المشتقات كاسم الفاعل والفعل . والثاني : الاستعارة في متعلق معنى الحرف ، وهو المقصود بالبيان . فمثال الاستعارة الأصلية عندهم : رأيت أسدا على فرسه ، ففي لفظة أسد في هذا المثال : استعارة أصلية تصريحية عندهم ، فإنه أراد تشبيه الرجل الشجاع بالأسد لعلاقة الشجاعة ، فحذف المشبه الذي هو الرجل الشجاع ، وصرح بالمشبه به الذي هو الأسد ، على سبيل الاستعارة التصريحية ، وصارت أصلية ، لأن الأسد اسم جنس جامد . ومثال الاستعارة التبعية ، في المشتق عندهم قولك : الحل ناطقة بكذا ، فالمراد عندهم : تشبيه دلالة الحال بالنطق بجامع الفهم ، والإدراك بسبب كل منهما ، فحذف الدلالة التي هي المشبه ، وصرح بالنطق الذي هو المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية ، واشتق من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة ، فجرت الاستعارة التبعية في اسم الفاعل الذي هو ناطقة ، وإنما قيل لها تبعية ، لأنها إنما جرت فيه تبعا لجريانها في المصدر ، الذي هو النطق ، لأن المشتق تابع للمشتق منه ، ولا يمكن فهمه بدون فهمه ، وهذا التوجيه أقرب من غيره مما يذكرونه من توجيه ما ذكر . ومثال الاستعارة التبعية عندهم في متعلق معنى الحرف في زعمهم هذه الآية الكريمة ، قالوا : اللام فيها كلفظ الأسد في المثال الأول ، فإنه أطلق على غير الأسد لمشابهة بينهما ، قالوا : وكذلك اللام أصلها موضوعة للدلالة على العلة الغائبة ، وعلة الشيء الغائبة : هي ما