وإيضاح ذلك : أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 86 ] يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة :
أي واقفة ساكنة غير متحركة ، وهي تمر مر السحاب ، ونحوه قول النابغة يصف جيشا :
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج
والنوعان المذكوران من أنواع البيان يبينان عدم صحة هذا القول .
أما الأول منهما : وهو وجود القرينة الدالة على عدم صحته ، فهو أن قوله تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ
معطوف على قوله : ففزع ، وذلك المعطوف عليه مرتب بالفاء على قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ
[ النمل : 87 ] الآية . أي ويوم ينفخ في الصور ، فيفزع من في السماوات ، وترى الجبال . فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن .
وأما الثاني : وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح ، لأن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة ، كقوله تعالى :
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً
( 10 ) [ الطور : 9 - 10 ] وقوله تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً
[ الكهف : 47 ] وقوله تعالى :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
( 20 ) [ النبأ : 20 ] وقوله تعالى :
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ
( 3 ) [ التكوير : 3 ] وقوله تعالى في هذه الأية الكريمة :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
[ النمل : 88 ] جاء نحوه في آيات كثيرة كقوله تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) [ المؤمنون : 14 ] وقوله تعالى :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[ الملك : 3 ] وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ .
( 88 )
قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ
إلى قوله :
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
( 5 ) [ هود : 5 ] .
قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
[ 89 ] .
اعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات .
الأول حسنة : هي فعل خير من أفعال العبد ، كالإنفاق في سبيل اللّه ، وبذل النفس والمال في إعلاء كلمة اللّه ، ونحو ذلك ومعنى قوله تعالى
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات ، أن الثواب مضاعف ، فهو خير من نفس العمل ، لأن من أنفق درهما واحدا في سبيل اللّه فأعطاه اللّه ثواب سبعمائة درهم فله عند اللّه ثواب هو سبعمائة درهم مثلا ، خير من الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد ، وهذا لا إشكال فيه كما ترى .
وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ