تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
فالجميع في الأول سماع من الميت لكلام الحي ، وفي الثاني انتفاع من الميت بكلام الحي وقت السؤال ، وقد علمت قوة احتمال الفرق بين الدعاء والتلقين . وفي ذلك كله : دليل على سماع الميت كلام الحي ، ومن أوضح الشواهد للتلقين بعد الدفن السلام عليه ، وخطابه خطاب من يسمع ، ويعلم عند زيارته كما تقدم إيضاحه ، لأن كلا منهما خطاب له في قبره ، وقد انتصر ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره سورة الروم في كلامه على قوله تعالى :
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ
إلى قوله :
فَهُمْ مُسْلِمُونَ
( 53 ) [ الروم : 52 - 53 ] لسماع الموتى وأورد في ذلك كثيرا من الأدلة التي قدمنا في كلام ابن القيم ، وابن أبي الدنيا ، وغيرهما وكثيرا من المرائي الدالة على ذلك ، وقد قدمنا الحديث الدال على أن المرائي إذا تواترت أفادت الحجة . ومما قال في كلامه المذكور ، وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها بهذه الآية :
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
على توهيم عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما في روايته مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلّم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر ، بعد ثلاثة أيام ، إلى أن قال : والصحيح عند العلماء رواية عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ، لما لها من الشواهد على صحتها ، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا « ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه » الحديث . وقد قدمناه في هذا المبحث مرارا وبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث في الكلام على آية النمل هذه تعلم أن الذي يرجحه الدليل : أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا : إن اللّه يرد عليهم أرواحهم ، حتى يسمعوا الخطاب ويردوا الجواب ، أو قلنا : إن الأرواح أيضا تسمع وترد بعد فناء الأجسام ، لأنا قد قدمنا أن هذا ينبني على مقدمتين ، ثبوت سماع الموتى بالسنة الصحيحة ، وأن القرآن لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي تشهد له القرائن القرآنية ، واستقراء القرآن ، وإذا ثبت ذلك بالسنة الصحيحة من غير معارض من كتاب ، ولا سنة ظهر بذلك رجحانه على تأول عائشة رضي اللّه عنها ، ومن تبعها بعض آيات القرآن كما تقدم إيضاحه ، وفي الأدلة التي ذكرها العلامة ابن القيم في كتاب الروح . على ذلك مقنع للمنصف ، وقد زدنا عليها ما رأيت ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 )
[ 83 ] . ظاهره هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات اللّه ، ولكنه قد دلت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق ، كقوله تعالى بعد هذا بقليل :
وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ
( 87 ) [ النمل : 87 ] وقوله تعالى :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
( 47 ) [ الكهف : 47 ] وقوله تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
[ الأنعام : 22 ] و [ يونس : 28 ] وقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ