بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
( 37 ) [ الصافات : 36 - 37 ] ، لأن قوله تعالى :
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ
الآية .
تكذيب لهم في قولهم إنه :
لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ .
( 36 )
مسألتان تتعلقان بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : اعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثبت عنه أنه قال : « لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا » « 1 »
رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وقوله في الحديث ، يريه بفتح المثناة التحتية وكسر الراء بعدها ياء ، مضارع ورى القيح جوفه ، يريه ، وريا إذا أكله وأفسده ، والأظهر أن أصل وراه أصاب رئته بالإفساد .
واعلم أن التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشعر كلام حسنه حسن ، وقبيحة قبيح .
ومن الأدلة القرآنية على ذلك أنه تعالى لما ذم الشعراء بقوله :
يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
( 226 ) [ الشعراء : 224 - 226 ] استثنى من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً
[ الشعراء : 227 ] الآية .
وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرح بأن امتلاء الجوف من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر ، محمول على من أقبل على الشعر ، واشتغل به عن الذكر ، وتلاوة القرآن ، وطاعة اللّه تعالى ، وعلى الشعر القبيح المتضمن للكذب ، والباطل كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيات ونحو ذلك .
المسألة الثانية : اعلم أن العلماء اختلفوا في الشاعر إذا اعترف في شعره بما يستوجب حدا ، هل يقام عليه الحد ؟ على قولين :
أحدهما : أنه يقام عليه لأنه أقر به والإقرار تثبت به الحدود .
والثاني : أنه لا يحد بإقراره في الشعر لأن كذب الشاعر في شعره أمر معروف معتاد واقع لا نزاع فيه .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عندي : أن الشاعر إذا أقر في شعره بما يستوجب الحد ، لا يقام عليه الحد ، لأن اللّه جل وعلا صرح هنا بكذبهم في شعرهم في قوله :
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
( 226 ) [ الشعراء : 226 ] فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد ، ولكن الأظهر أنه إن أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب وإن كان لا يحد
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الأدب حديث 6155 ، ومسلم في الشعر حديث 7 .