للذل جناحا معنويا يناسبه لا جناح ريش واللّه تعالى أعلم . انتهى . وفيه إيضاح معنى خفض الجناح .
والتحقيق : أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته كما أوضحنا .
والعلم عند اللّه تعالى . وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى :
لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ،
( 215 ) فإن قلت : المتبعون للرسول هم المؤمنون ، والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما قوله :
لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ؟
( 215 )
قلت : فيه وجهان ؛ أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين ، لمشارفتهم ذلك .
وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان : صنف صدق واتبع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به ، وصنف لم يوجد منهم إلا التصديق فحسب ، ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين ، والمنافق والفاسق ، لا يخفض لهما الجناح .
والمعنى : المؤمنين من عشيرتك وغيرهم ، أي أنذر قومك فإن أتبعوك ، وأطاعوك فاخفض لهم جناحك ، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك باللّه وغيره . انتهى منه .
والأظهر عندي في قوله :
لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 215 ) أنه نوع من التوكيد يكثر مثله في القرآن العظيم كقوله :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ
[ آل عمران : 167 ] الآية . ومعلوم أنهم إنما يقولون بأفواههم وقوله تعالى :
لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 79 ] ومعلوم أنهم إنما يكتبونه بأيديهم ، وقوله تعالى :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] ، وقوله تعالى :
حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ
[ البقرة : 109 ] إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 )
[ 217 - 219 ] .
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، وتكون في الآية قرينة ، تدل على عدم صحته ، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة وفيما مضى من الكتاب .
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا :
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
( 219 ) قال فيه بعض أهل العلم المعنى : وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين : أي المؤمنين باللّه كآدم ونوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل .
واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ
[ الزخرف : 28 ] وممن روى عنه هذا القول ابن عباس نقله عنه القرطبي ، وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول وهي قوله تعالى قبله مقترنا به