يعنون إذا دفنوا وأكلتهم الأرض ، فضلوا فيها : أي غابوا فيها واضمحلوا .
ومن إطلاقهم الإضلال على الدفن ، قول نابغة ذبيان يرثي النعمان بن الحرث بن أبي شمر الغساني :
فإن تحيى لا أملك حياتي وإن تمت * فما في حياة بعد موتك طائل
فآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل
وقول المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم :
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها * وفارسها في الدهر قيس بن عاصم
فقول الذبياني : فآب مضلوه : يعني فرجع دافنوه ، وقول السعدي :
أضلت أي دفنت ، ومن إطلاق الضلال أيضا على الغيبة والاضمحلال قول الأخطل
كنت القذى في موج أكدر مزيد * قذف الآتي به فضل ضلالا
وقول الآخر :
ألم تسأل فتخبرك الديار * عن الحي المضلل أين ساروا
وزعم بعض أهل العلم : أن للضلال إطلاقا رابعا : قال : ويطلق أيضا على المحبة قال : ومنه قوله :
قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
( 95 ) [ يوسف : 95 ] قال أي في حبك القديم ليوسف ، قال ومنه قول الشاعر :
هذا الضلال أشاب مني المفرقا * والعارضين ولم أكن متحققا
عجبا لعزة في اختيار قطيعتي * بعد الضلال فحبلها قد أخلقا
وزعم أيضا أن منه قوله
وَوَجَدَكَ ضَالًّا
[ الضحى : 7 ] قال أي محبا للهداية فهداك ، ولا يخفى سقوط هذا القول . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى عن نبيه موسى :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
[ 21 ] .
خوفه منهم هذا الذي ذكر هنا أنه سبب لفراره منهم ، قد أوضحه تعالى وبين سببه في قوله :
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 21 ) [ القصص : 20 - 21 ] وبين خوفه المذكور بقوله تعالى :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ
[ القصص : 18 ] .
قوله تعالى :
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 )
[ 21 ] .
قد قدمنا الآيات الموضحة لابتداء رسالته المذكورة هنا في سورة مريم وغيرها .
وقوله :
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
قال بعضهم : الحكم هنا هو النبوة ، وممن روى عنه ذلك