الآية .
وقول من قال من أهل العلم : وأنا من الضالين ، أي من الجاهلين ، راجع إلى ما ذكرنا ، لأنه بالنسبة إلى ما علمه اللّه من الوحي بعتبر قبله جاهلا : أي غير عالم بما أوحى اللّه إليه .
وقد بينا مرارا في هذا الكتاب المبارك أن لفظ الضلال يطلق في القرآن وفي اللغة العربية ثلاثة إطلاقات .
الإطلاق الأول : يطلق الضلال مرادا به الذهاب عن حقيقة الشيء . فتقول العرب في كل من ذهب عن علم حقيقة شيء ضل عنه ، وهذا الضلال ذهاب عن علم شيء ما ، وليس من الضلال في الدين .
ومن هذا المعنى قوله هنا : وأنا من الضالين : أي من الذاهبين عن علم حقيقة العلوم ، والأسرار التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي ، لأني في ذلك الوقت لم يوح إلي ومنه على التحقيق :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) [ الضحى : 7 ] أي ذاهبا عما علمك من العلوم التي لا تدرك إلا بالوحي .
ومن هذا المعنى قوله تعالى :
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( 52 ) [ طه : 52 ] فقوله :
لا يَضِلُّ رَبِّي
أي لا يذهب عنه علم شيء كائنا ما كان ، وقوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى
[ البقرة : 282 ] فقوله : أن تضل إحداهما : أي تذهب عن علم حقيقة المشهود به بدليل قوله بعده : فتذكر إحداهما الأخرى ، وقوله تعالى عن أولاد يعقوب :
إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 8 ) [ يوسف : 8 ] وقوله :
قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
( 95 ) [ يوسف : 95 ] على التحقيق في ذلك كله . ومن هذا المعنى قول الشاعر :
وتظن سلمى أنني أبغي بها * بدلا أراها في الضلال تهيم
والإطلاق الثاني وهو المشهور في اللغة ، وفي القرآن هو إطلاق الضلال على الذهاب عن طريق الإيمان إلى الكفر ، وعن طريق الحق إلى الباطل ، وعن طريق الجنة إلى النار ومنه قوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( 7 ) [ الفاتحة : 7 ] .
والإطلاق الثالث : هو إطلاق الضلال على الغيبوية والاضمحلال ، تقول العرب : ضل الشيء إذا غاب واضمحل ، ومنه قولهم : ضل السمن في الطعام ، إذا غاب فيه واضمحل ، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالا ، لأن المدفون تأكله الأرض فيغيب فيها ويضمحل .
ومن هذا المعنى قوله تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
[ السجدة : 10 ] الآية