تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
قد قدمنا بعض الآيات الدالة على كيفية إغراقهم في سورة الأعراف ، في الكلام على قوله تعالى :
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
[ الأعراف : 64 ] . قوله تعالى :
وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً .
( 38 ) [ 38 ] الأظهر عندي أن قوله :
وَعاداً وَثَمُودَ
معطوف على قوله : وقوم نوح الآية ، وأن قوم نوح مفعول به لأغرقنا محذوفة دل عليها قوله بعده :
أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً
[ الفرقان : 37 ] على حد قوله في الخلاصة :
فالسابق انصبه بفعل أضمرا * حتما موافق لما قد ذكرا
أي أهلكنا قوم نوح بالغرق ، وأهلكنا عادا وثمودا وأصحاب الرس ، وقرونا بين ذلك كثيرا ، أي وأهلكنا قرونا كثيرة بين ذلك المذكور من قوم نوح ، وعاد ، وثمود . والأظهر أن القرون الكثير المذكور بعد قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقبل أصحاب الرس وقد دلت آية من سورة إبراهيم على أن بعد عاد ، وثمود ، خلقا كفروا وكذبوا الرسل ، وأنهم لا يعلمهم إلا اللّه جل وعلا . وتصريحه بأنهم بعد عاد وثمود ، يوضح ما ذكرنا وذلك في قوله تعالى :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
( 9 ) [ إبراهيم : 9 ] . وقد قدمنا كلام أهل العلم في معنى قوله :
فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ
والإشارة في قوله
بَيْنَ ذلِكَ
راجعة إلى عاد ، وثمود ، وأصحاب الرس : أي بين ذلك المذكور ورجوع الإشارة ، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدد باعتبار المذكور أسلوب عربي معروف ومنه الإشارة قوله تعالى :
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[ البقرة : 68 ] أي ذلك المذكور من الفارض والبكر ، وقوله تعالى :
وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
( 67 ) [ الفرقان : 67 ] أي بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر وقول عبد اللّه بن الزبعري السهمي :
إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل
أي وكلا ذلك المذكور من الخير والشر ، ومنه في الضمير قول رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق
أي كأنه أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق ، وقد قدمنا هذا البيت . أما عاد وثمود فقد جاءت قصة كل منهما مفصلة في آيات متعددة ، وأما أصحاب الرس فلم يأت في القرآن
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 218 | الشنقيطي