تعالى :
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
( 28 ) [ محمد : 27 - 28 ] وأما رؤيتهم الملائكة يوم القيامة فلا بشرى لهم فيها أيضا ، ويدل لذلك قوله تعالى :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
( 8 ) [ الأنعام : 8 ] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
يدل بدليل خطابه : أي مفهوم مخالفته ، أن غير المجرمين يوم يرون الملائكة تكون لهم البشرى ، وهذا المفهوم من هذه الآية جاء مصرحا به في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
( 32 ) [ فصّلت : 30 - 32 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
( 22 ) أظهر القولين فيه عندي أنه من كلام الكفار ، يوم يرون الملائكة . لا من كلام الملائكة وإيضاحه : أن الكفار الذي اقترحوا إنزال الملائكة إذا رأوا الملائكة توقعوا العذاب من قبلهم ، فيقولون حينئذ للملائكة : حجرا محجورا : أي حراما محرما عليكم أن تمسونا بسوء أي لأننا لم نرتكب ذنبا نستوجب به العذاب ، كما أوضحه تعالى بقوله عنهم :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 28 ) [ النحل : 28 ] فقولهم :
ما كنا نعمل من سوء : أي لم نستوجب عذابا فتعذيبنا حرام محرم ، وقد كذبهم اللّه في دعواهم هذه بقوله :
بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 28 ) [ النحل : 28 ] وعادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ، أنهم يقولون هذا الكلام : أي حجرا محجورا عند لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك .
وقد ذكر سيبويه هذه الكلمة أعني : حجرا محجورا في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو : معاذ اللّه ، وعمرك اللّه ، ونحو ذلك وقوله : حجرا محجورا ، أصله من حجره بمعنى منعه ، والحجر الحرام ، لأنه ممنوع ومنه قوله :
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ
[ الأنعام : 138 ] أي حرام
لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ
[ الأنعام : 138 ] ومنه قول المتلمس :
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا تلك الدهاريس
فقوله حرام تأكيد لقوله حجر لأن معناه حرام وقول الآخر :
ألا أصبحت أسماء حجرا محرما * وأصبحت من أدنى حموتها حما
وقول الآخر :
قالت وفيها حيرة وذعر * عوذ بربي منكم وحجر