كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
( 28 ) [ يونس : 28 ] وقوله تعالى :
كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
( 82 ) [ مريم : 82 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
قوله تعالى :
وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 )
[ 19 ] .
قال ابن كثير : ومن يظلم منكم أي يشرك باللّه ، وذكره القرطبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وهذا التفسير تشهد له آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
( 254 ) [ البقرة : 254 ] وقوله تعالى :
وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
( 106 ) [ يونس : 106 ] وقوله تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
( 13 ) [ لقمان : 13 ] وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم فسر الظلم في قوله تعالى :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] فقال : أي بشرك كما قدمناه موضحا .
قوله تعالى :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
[ 20 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه جعل بعض الناس فتنة لبعض .
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ذكره في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
[ الأنعام : 53 ] الآية .
وقال القرطبي في تفسير قوله :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
ومعنى هذا : أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه ، ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغني عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق ، كما قال الضحاك في معنى : أتصبرون : أي على الحق ، وأصحاب البلايا يقولون :
لم لم نعاف ، والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير ؟ وهكذا صاحب كل آفة ، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك العلماء ، وحكام العدل ألا ترى إلى قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ الزّخرف : 31 ] فالفتنة أن يحسد المبتلي المعافى ، ويحقر المعافى المبتلي ، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر ، وذلك عن الضجر . انتهى محل الغرض من كلام القرطبي .
وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض . فاعلم أن قوله تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
[ الأنعام : 53 ] الآية . فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين ، حيث احتقروهم وازدروهم ، وأنكروا أن يكون اللّه من عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم ، ورثاثة حالهم ، لا يمكن أن يرحمهم اللّه ويعطيهم من فضله الواسع كما قال تعالى عنهم إنهم قالوا فيهم :
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
[ الأحقاف : 11 ] وقال :
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا
[ ص : 8 ] إلى غير ذلك من الآيات ، وسيوبخهم اللّه يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا كما قال تعالى :
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ