شدة غيظها من كفر بربها ، وأنهم يسمعون لها أيضا شهيقا مع الزفير الذي ذكره في آية الفرقان ، هذه ، وذلك في قوله تعالى :
إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 ) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
[ الملك : 7 - 8 ] أي يكاد بعضها ينفصل عن بعض من شدة غيظها ، على من كفر باللّه تعالى .
وللعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق ، وأقربها ، أنهما يمثلهما معا صوت الحمار في نهيقه ، فأوله زفير ، وآخره الذي يردده في صدره شهيق .
والأظهر أن معنى قوله تعالى :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً
أي سمعوا غليانها من شدة غيظها ، ولما كان سبب الغليان التغيظ أطلقه عليه ، وذلك أسلوب عربي معروف . وقال بعض أهل العلم :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً
: أي أدركوه ، والإدراك يشمل الرؤية والسمع ، وعلى هذا فالسمع مضمن معنى الإدراك ، وما ذكرنا أظهر .
وقال القرطبي : قيل المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم ، ثم ذكر في آخر كلامه أن هذا القول هو الأصح .
مسألة
اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة ، كما صرح اللّه بذلك في قوله هنا :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
ورؤيتها إياهم من مكان بعيد ، تدل على حدة بصرها كما لا يخفى ، كما أن النار تتكلم كما صرح اللّه به في قوله :
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
( 30 ) [ ق : 30 ] والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ، كحديث محاجة النار مع الجنة ، وكحديث اشتكائها إلى ربها ، فأذن لها في نفسين ، ونحو ذلك ، ويكفي في ذلك أن اللّه جل وعلا صرح في هذه الآية ، أنها تراهم وأن لها تغيظا على الكفار ، وأنها تقول : هل من مزيد .
واعلم أن ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم ، من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر ، ولا تتكلم ، ولا تغتاظ . وأن ذلك كله من قبيل المجاز ، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها كله باطل ولا معول عليه لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند ، والحق هو ما ذكرنا .
وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن النصوص من الكتاب والسنة ، لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا لدليل يجب الرجوع إليه ، كما هو معلوم في محله .
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : « إن القول بأن النار تراهم هو الأصح ، ثم قال لما روي مرفوعا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدا . قيل يا رسول اللّه أو لها عينان ؟ قال : أو ما سمعتم اللّه عزّ وجلّ يقول :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
( 12 ) يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول :