[ الجاثية : 35 ] لا ينافي ذلك لأن من اتخاذهم آيات اللّه هزوا تكذيبهم بالساعة ، وإنكارهم البعث كما لا يخفى ، وكقوله تعالى :
* وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 5 ) [ الرعد : 5 ] فقد بين جلا وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد أن إنكارهم البعث ، الذي عبروا عنه باستفهام الإنكار في قوله تعالى عنهم :
أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
جامع بين أمرين .
الأول منهما : أنه عجب من العجب لكثرة البراهين القطعية الواضحة الدالة على ما أنكروه .
والثاني منهما : وهو محل الشاهد من الآية أن إنكارهم البعث المذكور كفر مستوجب للنار وأغلالها والخلود فيها ، وذلك في قوله تعالى مشيرا إلى الذين أنكروا البعث
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 5 ) [ الرعد : 5 ] ومعلوم أن إنكار البعث إنكار للساعة ، وكقوله تعالى :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى
( 16 ) [ طه : 16 ] أي لا يصدنك من لا يؤمن بالساعة عن الإيمان بها ، فتردى : أي تهلك لعدم إيمانك بها ، والردى الهلاك ، وهو هنا عذاب النار بسبب التكذيب بالساعة ، وقد قال تعالى :
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى
( 11 ) [ الليل : 11 ] وقوله تعالى في آية طه هذه :
فَتَرْدى
يدل دلالة واضحة على أنه إن صده من لا يؤمن بالساعة عن التصديق بها ، أن ذلك يكون سببا لرداه أي هلاكه بعذاب النار كما لا يخفى ، وكقوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
( 16 ) [ الروم : 16 ] فآية الروم هذه ، تدل على أن الذين كذبوا بلقاء الآخرة وهم الذين كذبوا بالساعة معدودون مع الذين كفروا وكذبوا بآيات اللّه ، وأنهم في العذاب محضرون . وهو عذاب النار . والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ
أظهر الأقوال فيه عندي أنه متصل بما يليه ، وأن بل فيه للإضراب الأنتقالي ، وقد أوضحنا معنى السعير مع بعض الشواهد العربية في أول سورة الحج ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 )
[ 12 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن النار يوم القيامة ، إذا رأت الكفار من مكان بعيد : أي في عرصات المحشر غيظها على من كفر بربها ، وعلا زفيرها فسمع الكفار صوتها من شدة غيظها ، وسمعوا زفيرها .
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين بعضه في سورة الملك ، فأوضح فيها