تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
تعالى :
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
[ الأنعام : 125 ] وقال في هود :
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
[ هود : 12 ] فما وجه التعبير في سورة هود ، بقوله : ضائق على وزن فاعل ، وفي الفرقان والأنعام بقوله : ضيقا على وزن فيعل ، مع أنه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق ، فهو ضيق . والجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقا ، كما أشار له ابن مالك في لاميته بقوله :
وفاعل صالح للكل إن قصد ال * حدوث نحو غدا ذا فارح جذلا
وإن لم يقصد به الحدوث ، والتجدد بقي على أصله . وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
[ هود : 12 ] أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر ، ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ
[ هود : 12 ] ولما كان كذلك ، قيل فيه : ضائق بصيغة اسم الفاعل ، أما قوله : ضيقا في الفرقان والأنعام فلم يرد به حدوث ، ولذلك بقي على أصله . ومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى :
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
[ هود : 12 ] وقول قيس بن الخطيم الأنصاري :
أبلغ خداشا أنني ميت * كل امرئ ذي حسب مائت
فلما أراد حدوث الموت قال : مائت بوزن فاعل ، وأصله ميت على وزن فيعل . ومن أمثلته في فعل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي قتيبة بن مسلم :
فما أنا من رزء وإن جل جازع * ولا بسرور بعد موتك فارح
فلما نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال جازع وفارح ، والأصل جزع وفرح . مثاله في فعيل قول لبيد :
حسبت التقى والجود خير تجارة * رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
فلما أراد حدوث الثقل قال : ثاقلا والأصل ثقيل ، وقول السمهري العكلي :
بمنزلة أما اللئيم فسامن * بها وكرام الناس باد شحوبها