تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وقال الزمخشري في تفسير آية الفرقان هذه : يأكل الطعام كما نأكل ، ويتردد في الأسواق كما نتردد . يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك ، حتى يتساعدا في الإنذار والتخويف ، ثم نزلوا أيضا فقالوا إن لم يكن مرفودا بذلك ، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء ، يستظهر به ، ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش ، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه ، ويرتزق كالدهاقين أو يأكلون هم من ذلك البستان ، فينتفعون به في دنياهم ، ومعاشهم انتهى منه ، وكل تلك الاقتراحات لشدة تعنتهم ، وعنادهم . وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي يأكل منها بالمثناة التحتية ، وقرأ حمزة والكسائي : جنة نأكل منها بالنون ، وهذه القراءة هي مراد الزمخشري بقوله : أو يأكلون هم من ذلك البستان . قوله تعالى :
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ( 9 )
[ 8 - 9 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين اتبعوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
( 8 ) يعنون : أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره ، وقال مجاهد : مسحورا : أي مخدوعا كقوله :
فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
( 89 ) [ المؤمنون : 89 ] : أي من أين تخدعون ، وقال بعضهم : مسحورا : أي له سحر أي رثة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب ، فهو بشر مثلكم ، وليس بملك ، وقد قدمنا كلام أهل العلم في قوله : مسحورا بشواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
( 69 ) [ طه : 69 ] ولما ذكر اللّه هذا الذي قاله الكفار في نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، من الإفك والبهتان خاطب نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بقوله :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ،
( 9 ) وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
( 8 ) وما قاله اللّه لنبيه في ذلك ، وهو قوله :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
الآية . جاء كله مصرحا به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 47 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
( 48 ) [ الإسراء : 47 - 48 ] . قال الزمخشري : ضربوا لك الأمثال قالوا : فيك تلك الأقوال ، واقترحوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة ، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك ، وإلقاء كنز عليك من السماء ، وغير ذلك ، فبقوا متحيرين ضلالا لا يجدون قولا يستقرون عليه ، أو فضلوا عن الحق ، فلا يجدون طريقا إليه ا ه . والأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى : ضربوا لك الأمثال :
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 191 | الشنقيطي