تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فعلام دخلت الهاء في قوله :
حَتَّى إِذا جاءَهُ
، قيل : إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد ، فإذا قرب منه رقّ وصار كالهواء ، وقد يحتمل أن يكون معناه حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه انتهى منه . والوجه الأول أظهر عندي ، وعنده ، بدليل قوله : وقد يحتمل أن يكون معناه إلخ . انتهى كلامنا في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، وقد رأيت فيه جواب ابن جرير الطبري عن السؤال المذكور ، وقوله تعالى في هذه الآية :
بِقِيعَةٍ
قيل جمع قاع كجار وجيرة . وقيل : القيعة والقاع بمعنى ، وهو المنبسط المستوى المتسع من الأرض ، وعلى هذا فالقاع واحد القيعان كجار وجيران . قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 41 )
[ 41 ] . اعلم أن الضمير المحذوف الذي هو فاعل علم قال بعض أهل العلم : إنه راجع إلى اللّه في قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
الآية ، وعلى هذا فالمعنى كل من المسبحين والمصلين . قد علم اللّه صلاته وتسبيحه . وقال بعض أهل العلم : إن الضمير المذكور راجع إلى قوله :
كُلٌّ
أي كل من المصلين والمسبحين ، قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه ، وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
[ النحل : 97 ] الآية كلام الأصوليين في أن اللفظ إن احتمل التوكيد والتأسيس حمل على التأسيس ، وبيّنا أمثلة متعددة لذلك من القرآن العظيم . وإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين ، أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
راجعا إلى قوله :
كُلٌّ
أي كل من المصلين قد علم صلاة نفسه ، وكل من المسبحين ، قد علم تسبيح نفسه ، وعلى هذا القول فقوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
( 41 ) تأسيس لا تأكيد ، أما على القول بأن الضمير راجع إلى اللّه : أي قد علم اللّه صلاته يكون قوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
( 41 ) كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي . وقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على التوكيد كما تقدم إيضاحه . والظاهر أن الطير تسبّح وتصلي صلاة وتسبيحا يعلمهما اللّه ، ونحن لا نعلمهما كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] . ومن الآيات الدالة على أن غير العقلاء من المخلوقات لها إدراك يعلّمه اللّه ونحن لا نعلمه . قوله تعالى في الحجارة :
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ البقرة : 74 ] فأثبت
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 166 | الشنقيطي