نهى اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلّم أن يحسب أي يظن الذين كفروا معجزين في الأرض ، ومفعول معجزين محذوف : أي لا يظنهم معجزين ربهم ، بل قادر على عذابهم لا يعجز عن فعل ما أراد بهم لأنه قادر على كل شيء .
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيّنا في آيات أخر كقوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ
[ التوبة : 2 ] وقوله تعالى :
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ التوبة : 3 ] ، وقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[ العنكبوت : 4 ] ، وقوله تعالى :
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
[ يونس : 53 ] . وقوله تعالى :
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 ) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
[ العنكبوت : 21 - 22 ] الآية . وقوله في الشورى :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
[ الشورى : 31 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
قرأه ابن عامر وحمزة :
لا يحسبن بالياء المثناة التحتية على الغيبة . وقرأه باقي السبعة :
لا تَحْسَبَنَّ
بالتاء الفوقية . وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة بفتح السين وباقي السبعة بكسرها .
والحاصل أن قراءة ابن عامر وحمزة بالياء التحتية وفتح السين ، وقراءة عاصم بالتاء الفوقية وفتح السين ، وقراءة الباقين من السبعة بالتاء الفوقية وكسر السين ، وعلى قراءة من قرأ بالتاء الفوقية فلا إشكال في الآية مع فتح السين وكسرها ، لأن الخطاب بقوله : لا تحسبن للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
هو المفعول الأول . وقوله :
مُعْجِزِينَ
هو المفعول الثاني لتحسبن . وأما على قراءة : ( لا يحسبن ) بالياء التحتية ففي الآية إشكال معروف وذكر القرطبي الجواب عنه من ثلاثة أوجه :
الأول : أن قوله
الَّذِينَ كَفَرُوا
في محل رفع فاعل ( يحسبن ) ، والمفعول الأوّل محذوف تقديره : ( أنفسهم ) . و ( معجزين ) : مفعول ثان : أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين اللّه في الأرض ، وعزا هذا القول للزجاج ، والمفعول المحذوف قد تدلّ عليه قراءة من قرأ بالتاء الفوقيّة كما لا يخفى ، ومفعولا الفعل القلبي يجوز حذفهما أو حذف أحدهما إن قام عليه دليل كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله :
ولا تجز هنا بلا دليل * سقوط مفعولين أو مفعول
ومثال حذف المفعولين معا مع قيام الدليل عليهما في قوله تعالى :
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
( 62 ) [ القصص : 62 و 74 ] أي تزعمونهم شركائي . وقول الكميت :
بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب