تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
قال في السراب الذي مثلها به :
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من بطلان أعمال الكفار ، جاء موضحا في آيات أخر ، كقوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ
[ إبراهيم : 18 ] الآية . وقوله تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) [ الفرقان : 23 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا أن عمل الكافر إذا كان على الوجه الصحيح أنه يجزى به في الدنيا كما أوضحناه في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
[ النحل : 97 ] الآية . وقد دلت آيات من كتاب اللّه على انتفاع الكافر بعمله في الدنيا ، دون الآخرة كقوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
( 20 ) [ الشورى : 20 ] وقوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 )
[ هود : 15 - 16 ] وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا ، دون الآخرة ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي اللّه عنه كما أوضحناه في الكلام على آية النحل المذكورة ، وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى :
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
الآية أي وفاه حسابه في الدنيا على هذا القول ، وقد بيّن اللّه جل وعلا في سورة بني إسرائيل أن ما دلت عليه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا ، أنه مقيّد بمشيئة اللّه تعالى ، وذلك في قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 )
[ الإسراء : 18 ] . تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ذكرناه وذكرنا الجواب عنه في كتابنا ، دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، وذلك في قولنا فيه : لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أنّ الضمير في قوله : جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء ، لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل ومعلوم أن الصفة الإضافية ، لا تتقوم إلا بين متضائفين ، فلا تدرك إلا بإدراكهما ، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل ، إلا بإدراك فاعل واقع منه المجيء ، ومفعول به واقع عليه المجيء . وقوله تعالى :
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى :
جاءَهُ
. والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة . قال : فإن قال قائل كيف قيل :
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
فإن لم يكن السراب شيئا
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 165 | الشنقيطي