تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الْحَناجِرِ
[ غافر : 18 ] الآية . ونحو ذلك من الآيات الدالة على عظم ذلك اليوم كقوله تعالى :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ
[ المزمل : 17 - 18 ] الآية . وقوله تعالى :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 )
[ الإنسان : 9 - 10 ] إلى غير ذلك من الآيات . وفي معنى تقلب القلوب والأبصار أقوال متعددة لأهل التفسير ، ذكرها القرطبي وغيره . وأظهرها عندي : أن تقلب القلوب هو حركتها من أماكنها من شدّة الخوف كما قال تعالى :
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ
[ غافر : 18 ] وأن تقلب الأبصار هو زيغوغتها ودورانها بالنظر في جميع الجهات من شدة الخوف ، كما قال تعالى :
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
[ الأحزاب : 19 ] الآية . وكقوله تعالى :
وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
[ الأحزاب : 10 ] فالدوران والزيغوغة المذكوران يعلم بهما معنى تقلب الأبصار ، وإن كانا مذكورين في الخوف من المكروه في الدنيا . قوله تعالى :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
[ 38 ] . الظاهر أن اللام في قوله :
لِيَجْزِيَهُمُ
، متعلقة بقوله :
يُسَبِّحُ
: أي يسبحون له ، ويخافون يوما ليجزيهم اللّه أحسن ما عملوا . وقوله في هذه الآية الكريمة : ويزيدهم من فضله ، الظاهر أن هذه الزيادة من فضله تعالى ، هي مضاعفة الحسنات ، كما دل عليه قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
[ النساء : 40 ] ، وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 261 ] . وقال بعض أهل العلم : الزيادة هنا كالزيادة في قوله :
* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] والأصح : أن الحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه اللّه الكريم ، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
( 35 ) [ ق : 35 ] . وقد قدمنا قول بعض أهل العلم : أن قوله تعالى :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
ونحوها من الآيات يدل على أن المباح حسن ، لأن قوله : أحسن ما عملوا صيغة تفضيل ، وأحسن ما عملوا هو ما تقرّبوا به إلى اللّه من الواجبات والمستحبات ، وصيغة التفضيل المذكورة تدل على أن من أعمالهم حسنا لم يجزوه وهو المباح . قال في مراقي السعود :
ما ربنا لم ينه عنه حسن * وغيره القبيح والمستهجن
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ 39 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن أعمال الكفار باطلة ، وأنها لا شيء ، لأنه