تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
أما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز ، وواقع إجماعا كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلا ، وإن استحال من جهة علم اللّه بعدم وقوعه ، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلا عرضيا ونحن ننزه صفة علم اللّه عن أن نقول إن الاستحالة بسببها عرضية . فإذا علمت هذا فاعلم أن علماء الأصوال وجميع أهل العلم ، مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي ، كإيمان أبي لهب ، وإن كان وقوعه مستحيلا لعلم اللّه بأنه لا يقع . أما المستحيل عقلا لذاته كالجمع بين النقيضين والمستحيل عادة كمشي المقعد ، وطيران الإنسان بغير آلة ، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما كما قال تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] وقال تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » « 1 » . وأما المستحيل العقلي : فقالت جماعة من أهل الأصول : يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلا ، وبالمستحيل عادة . وقال بعضهم : لا يجوز عقلا مع إجماعهم على أنّه لا يصح وقوعه بالفعل . وحجة من يمنعه عقلا أنه عبث لا فائدة فيه ، لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال ، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزا محققا عبث لا فائدة فيه ، قالوا فهو مستحيل ، لأن اللّه حكيم خبير ، وحجة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف ، هل يتأسف على عدم القدرة ، ويظهر أنه لو كان قادرا لا مثل ، والامتحان سبب من أسباب التكليف ، كما كلف اللّه إبراهيم بذبح ولده ، وهو عالم أنه لا يذبحه ، وبيّن أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم ، أي اختباره هل يمتثل فلما شرع في الامتثال فداه اللّه بذبح عظيم كما قال تعالى عنه :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
[ الصافات : 103 - 107 ] . وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها ، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلا ، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم اللّه ، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله :
وجوز التكليف بالمحال * في الكل من ثلاثة الأحوال
وقيل بالمنع لما قد امتنع * لغير علم اللّه أن ليس يقع
وليس واقعا إذا استحالا * لغير علم ربنا تعالى
وقوله : وجوز التكليف يعني الجواز العقلي . وقوله : وقيل بالمنع ، أي عقلا ومراده بالثلاثة الأحوال : ما استحال عقلا وعادة ،
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .