كالجمع بين النقيضين وما استحال عادة ، كمشي المقعد : وطيران الإنسان ، وإبصار الأعمى ، وما استحال لعلم اللّه بعدم وقوعه .
وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة ، فاعلم أن التوبة تجب كتابا وسنة وإجماعا من كل ذنب اقترفه الإنسان فورا ، وأن الندم ركن من أركانها ، وركن الواجب واجب ، والندم ليس بفعل ، وليس في استطاعة المكلف ، لأنه انفعال لا فعل والانفعالات ليست بالاختيار ، فما وجه التكليف بالندم ، وهو غير فعل للمكلّف ، ولا مقدور عليه .
والجواب عن هذا الإشكال : هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها ، وهي في طوق المكلف ، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعة صحيحة ، ولم بحابها في معصية اللّه لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل ، والشراب الذي في السم القاتل لا يستلذه عاقل لما يتبع لذته من عظيم الضرر ، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشد من السم القاتل ، وهو ما تستلزمه معصية اللّه جل وعلا من سخطه على العاصي ، وتعذيبه له أشد العذاب ، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه ، وينغص عليه لذة الحياة . ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم ، أنه يتوصل إلى حصول الندم على المعصية ، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها .
فالحاصل : أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم ، وأنه إن استعملها حصل له الندم ، وبهذا الاعتبار كان مكلفا بالندم ، مع أنه انفعال لا فعل .
ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدية إلى الندم على المعصية ، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير :
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه * حلاوته تفنى ويبقى مريرها
ونقل عن سفيان الثوري رحمه اللّه أنه كان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر :
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها * من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبّتها * لا خير في لذة من بعدها النار
وأما الإشكال الذي في الإقلاع عن الذنب ، فحاصله : أن من تاب من الذنب الذي هو متلبس به ، مع بقاء فساد ذلك الذنب ، أي أثره السئ ، هل تكون توبته صحيحة ، نظرا إلى أنه فعل في توبته كل ما يستطيعه . وإن كان الإقلاع عن الذنب لم يتحقق للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت ، أولا تكون توبته صحيحة ، لأنّ الإقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق .
ومن أمثلة هذا من كان على بدعة من البدع السيئة المخالفة للشرع المستوجبة للعذاب إذا بث بدعته ، وانتشرت في أقطار الدنيا ، ثم تاب من ارتكاب تلك البدعة ، فندم على