تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
عوده للذنب نقض لتوبته الأولى . الثاني : اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلا بالندم على فعل الذنب ، والإقلاع عنه ، إن كان متلبسا به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة ، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف . وإيضاحه في الأول الذي هو الندم ، أن الندم ليس فعلا ، وإنما هو انفعال ، ولا خلاف بين أهل العلم في أن اللّه لا يكلف أحدا إلا بفعل يقع باختيار المكلف ، ولا يكلف أحدا بشيء إلا شيئا هو في طاقته كما قال تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] . وقال تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] . وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلا تحت قدرة العبد ، فليس بفعل أصلا ، وليس في وسع المكلف فعله ، والتكليف لا يقع بغير الفعل ، ولا بما لا يطاق كما بينا . قال في مراقي السعود :
ولا يكلف بغير الفعل * باعث الأنبيا ورب الفضل
وقال أيضا :
والعلم والوسع على المعروف * شرط يعم كل ذي تكليف
واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق ، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي ، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه . أما وقوعه بالفعل فهم مجمعون على منعه كما دلت عليه آيات القرآن ، والأحاديث النبوية ، وبعض الأصوليين يعبر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلا أو لا ؟ أمّا وقوع التكليف بالمحال عقلا ، أو عادة ، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم اللّه تعالى بعدم وقوعه أزلا ، ومثال المستحيل عقلا أن يكلف بالجمع ، بين الضدين كالبياض ، والسواد أو النقيضين كالعدم والوجود . والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك . فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعا . وأما المستحيل لأجل علم اللّه في الأزل بأنه لا يقع فهو جائز عقلا ، ولا خلاف في التكليف به كإيمان أبي لهب مثلا كان اللّه عالما في الأزل ، بأنه لا يقع كما قال اللّه تعالى عنه :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
( 3 ) [ المسد : 3 ] فوقوعه محال عقلا لعلم اللّه في الأزل ، بأنه لا يوجد ، لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلا ، وذلك مستحيل في حقه تعالى . ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلا ، إذ لا يمنع العقل إيمان أبي لهب ، ولو كان مستحيلا لما كلفه اللّه بالإيمان ، على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، فالإمكان عام ، والدعوة عامة والتوفيق خاص . وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 141 | الشنقيطي