تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ذلك ، ونوى ألا يعود إليه أبدا ، مع أن إقلاعه عن بدعته لا قدرة له عليه ، لانتشارها في أقطار الدنيا ، ولأن من سن سنة سيئة ، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ففساد بدعته باق . ومن أمثلته من غصب أرضا ، ثم سكن في وسطها ، ثم تاب من ذلك الغصب نادما عليه ، ناويا ألا يعود إليه ، وخرج من الأرض المغصوبة بسرعة ، وسلك أقرب طريق للخروج منها ، فهل تكون توبته صحيحة ، في وقت سيره في الأرض المغصوبة قبل خروجه منها ، لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه ، أو لا تكون توبته صحيحة ، لأنّ إقلاعه عن الغصب ، لم يتم ما دام موجودا في الأرض المغصوبة ، ولو كان يسير فيها ، ليخرج منها . ومن أمثلته من رمى مسلما بسهم ، ثم تاب فندم على ذلك ، ونوى ألا يعود قبل إصابة السهم للإنسان الذي رماه به بأن حصلت التوبة والسهم في الهواء في طريقه إلى المرمى ، هل تكون توبته صحيحة ، لأنه فعل ما يقدر عليه ، أو لا تكون صحيحة ، لأن إقلاعه عن الذنب ، لم يتحقق وقت التوبة ، لأن سهمه في طريقه إلى إصابة مسلم فجمهور أهل الأصول على أن توبته في كل الأمثلة صحيحة ، لأن التوبة واجبة عليه ، وقد فعل من هذا الواجب كل ما يقدر عليه ، وما لا قدرة له عليه معذور فيه لقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبا . وقال أبو هاشم ، وهو من أكابر المعتزلة كابنه أبي علي الجبائي : إن التائب الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام ، لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك الغير بغير إذن ، كالمكث ، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه إذ لا إقلاع إلا حينئذ ، والإقلاع ترك المنهي عنه ، فالخروج عنده قبيح . لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وهو مناف للإقلاع ، فهو منهي عنه ، مع أن الخروج المذكور مأمور به عنده أيضا ، لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة ، وهذا بناه على أصله الفاسد ، وهو القبح العقلي ، لكنه أخلّ بأصل له آخر ، وهو منع التكليف بالمحال فإنه قال : إن خرج عصى ، وإن مكث عصى ، فقد حرم عليه الضدين كليهما . ا ه قاله في نشر البنود . وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرا على مذهب الجمهور بقوله :
من تاب بعد أن تعاطى السببا * فقد أتى بما عليه وجبا
وإن بقي فساده كمن رجع * عن بث بدعة عليها يتبع
أو تاب خارجا مكان الغصب * أو تاب بعد الرمي قبل الضرب
قوله تعالى :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ 32 ] .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 145 | الشنقيطي