تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وبكل من المعنيين اللّذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان والإقامة : حي على الفلاح كما هو معروف . ومن تاب إلى اللّه كما أمره اللّه نال الفلاح بمعنييه ، فإنّه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة ، ورضى اللّه تعالى ، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جل وعلا ، لجميع المسلمين بالتوبة مشيرا إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ النور : 31 ] أوضحه في غير هذا الموضع ، وبين أن التوبة التي يمحو اللّه بها الذنوب ، ويكفر بها السيئات ، أنها التوبة النصوح ، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات ، ودخول الجنة ، ولا سيّما عند من يقول من أهل العلم : إن عسى من اللّه واجبة ، وله وجه من النظر ، لأنه عزّ وجلّ جواد كريم ، رحيم غفور ، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله ، فجوده وكرمه تعالى ، وسعة رحمته يجعل ذلك الإنسان الذي أطعمه ربه في ذلك الفضل يثق ، بأنّه ما أطعمه فيه ، إلا ليتفضل به عليه . ومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ التحريم : 8 ] فقوله في آية التحريم هذه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كقوله في آية النور :
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
[ النور : 31 ] . وقوله في آية التحريم :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ التحريم : 8 ] كقوله في آية النور
تُفْلِحُونَ
[ النور : 31 ] لأنّ من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة ، فقد نال الفلاح بمعنييه ، وقوله في آية التحريم :
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
[ التحريم : 8 ] موضح لقوله في النور
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
[ النور : 31 ] ونداؤه لهم بوصف الإيمان في الآيتين فيه تهييج لهم ، وحث على امتثال الأمر ، لأن الاتصاف بصفة الإيمان بمعناه الصحيح ، يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر اللّه ، واجتناب نهيه ، والرجاء المفهوم من لفظة عسى في آية التحريم ، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى . تنبيهات الأول : التوبة النصوح : هي التوبة الصادقة . وحاصلها : أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح ، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبسا به ، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جلّ وعلا ، وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية اللّه أبدا . وأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحا وكفر اللّه عن سيئاته بتلك التوبة النصوح ، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك . أن توبته الأولى الواقعة على الوجه المطلوب ، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب ، بل تجب عليه التوبة من جديد لذنبه الجديد خلافا لمن قال : إنّ
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 140 | الشنقيطي