الأول : الواجب عقلا .
الثاني : المستحيل عقلا .
الثالث : الجائز عقلا ، وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة ، أن الشيء من حيث هو شيء ، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات : إما أن يكون العقل يقبل وجوده ، ولا يقبل عدمه بحال . وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال . وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معا . فإن كان العقل يقبل وجوده ، دون عدمه فهو الواجب عقلا ، وذلك كوجود اللّه تعالى متصفا بصفات الكمال والجلال . فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله ولو عرض عليه عدمه ، وأنها خلقت بلا خالق ، لم يقبله ، فهو واجب عقلا . وأما إن كان يقبل عدمه ، دون وجوده ، فهو المستحيل عقلا ، كشريك للّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك للّه في ملكه ، وعبادته لقبله ، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال ، كما قال تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] وقال :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
( 91 ) [ المؤمنون : 91 ] فهو مستحيل عقلا . وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معا ، فهو الجائز العقلي ، ويقال له الجائز الذاتي ، وذلك كإيمان أبي لهب ، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله ، ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضا ، كما لا يخفى ، فهو جائز عقلا جوازا ذاتيا ، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي .
وقالت جماعات من أهل الأهواء : إن الحكم العقلي : قسمان فقط ، وهما الواجب عقلا ، والمستحيل عقلا ، قالوا والجائز عقلا لا وجود له أصلا ، وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر ، إما أن يكون اللّه عالما في أزله ، بأنه سيوجد فهو واجب الوجود لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده ، كإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلا لعلم اللّه بأنه سيقع ، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وذلك محال . وإما أن يكون اللّه عالما في أزله ، بأنه لا يوجد ، كإيمان أبي لهب ، فهو مستحيل عقلا ، إذ لو وجد لانقلب العلم جهلا ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وهذا القول لا يخفى بطلانه ، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب ، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه ، فكلاهما جائز إلّا أن اللّه تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين ، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده .
والحاصل : أن المستحيل لغير علم اللّه السابق بعدم وجوده ، لأنه مستحيل استحالة ذاتية كالجمع بين النقيضين لا يقع التكليف به إجماعا ، وكذلك المستحيل عادة كما لا يخفى .