فهذه جملة أدلة من قالوا : بأن من دعي لا يستأذن إذا قدم .
وأما الذين قالوا : يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسل ، ولا يكتفي بإرسال الرسول ، فقد احتجوا بما رواه البخاري في صحيحه : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عمر بن ذر ، حدثنا محمد بن مقاتل ، أخبرنا عبد اللّه ، أخبرنا عمر بن ذر ، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : دخلت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فوجد لبنا في قدح فقال ، « أبا هريرة الحق أهل الصّفة فادعهم إليّ » ، قال : فأتيتهم ، فدعوتهم ، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا » « 1 » ا ه منه . قال هذا الحديث الصحيح صريح في أنه صلى اللّه عليه وسلّم أرسل أبا هريرة لأهل الصفة ، ولم يكتفوا بالإرسال عن الاستئذان ولو كان يكفي عنه لبينه صلى اللّه عليه وسلّم ، لأنه لو يؤخر البيان عن وقت الحاجة .
ومن أدلة أهل هذا القول ظاهر عموم قوله تعالى
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
الآية ، لأن ظاهرها يشمل من أرسل إليه وغيره ، وقد جمع بعض أهل العلم بين أدلة القولين . قال ابن حجر في فتح الباري : وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان ، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن في العادة ، وإلا لم يحتج إلى استئناف إذن . وقال ابن التين : لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه ، قال والاستئذان على كل حال أحوط وقال غيره : إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول ، ويكفيه سلام الملاقاة ، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان ، وبهذا جمع الطحاوي ، واحتج بقوله في حديث : فاقبلوا فاستأذنوا فدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم ، وإلا لقال فأقبلنا كذا . قال إن كلام ابن حجر وأقربها عندي الجمع الأخير ، ويدل له الحديث المذكور فيه وقوله في حديث أبي داود المتقدم : « فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن » .
والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 30 ) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
[ 30 - 31 ] .
أمر اللّه جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر ، وحفظ الفرج ، ويدخل في حفظ الفرج : حفظه من الزنى ، واللواط ، والمساحقة ، وحفظه من الإبداء للناس والانكشاف لهم ، وقد دلت آيات أخر على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلا الزوجة والسرية ، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون وسأل سائل
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
( 6 ) [ المؤمنون : 5 - 6 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاستئذان حديث 6246 .