ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى :
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
[ النور : 30 ]
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ
[ النور : 31 ] وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله ، ولم يغض بصره عن الحرام ، وهي قوله تعالى :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ
[ غافر : 19 ] .
وقد قال البخاري رحمه اللّه : وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن : إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن ، قال اصرف بصرك عنهن ، يقول اللّه عز وجل
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
[ النور : 30 ] قال قتادة : عما لا يحل لهم :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
[ النور : 30 ] خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي « 1 » عنه . ا ه محل الغرض منه بلفظه .
وبه تعلم أن قوله تعالى :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ
[ غافر : 19 ] فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له ، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر ، إلى ما لا يحل ، جاء موضحا في أحاديث كثيرة .
منها ما ثبت في الصحيح ، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال :
« إياكم والجلوس بالطرقات ، قالوا يا رسول اللّه ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها ، قال : إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ، قالوا وما حق الطريق يا رسول اللّه ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر » « 2 » انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه .
ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : « أردف النبي صلى اللّه عليه وسلّم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلا وضيئا فوقف النبي صلى اللّه عليه وسلّم للناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ، فالتفت النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده ، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها » الحديث « 3 » .
ومحل الشاهد منه : أنه صلى اللّه عليه وسلّم صرف وجه الفضل عن النظر إليها ، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز ، واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث ، سيأتي إن شاء اللّه الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاستئذان ، وعلقه البخاري بصيغة الجزم 8 / 43 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الاستئذان حديث 6229 ، ومسلم في اللباس والزينة حديث 114 .
( 3 ) أخرجه البخاري في الاستئذان حديث 6228 .