تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
العطف بالواو لا يقتضي الترتيب ، وإنما يقتضي مطلق التشريك ، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو كقوله تعالى :
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
( 43 ) [ آل عمران : 43 ] والركوع قبل السجود ، وقوله تعالى :
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
[ الأحزاب : 7 ] الآية ونوح قبل نبينا صلى اللّه عليه وسلّم ، وهذا معروف ولا ينافي ما ذكرنا أن الواو ربما عطف بها مرادا بها الترتيب كقوله تعالى :
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
[ البقرة : 158 ] الآية وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم « أبدأ بما بدأ اللّه به » « 1 » وفي رواية « فابدؤوا بما بدأ اللّه به » « 2 » بصيغة الأمر وكقول حسان رضي اللّه عنه :
هجوت محمدا وأجبت عنه * وعند اللّه في ذاك الجزاء
على رواية الواو في هذا البيت . وإيضاح ذلك أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف ، والمعطوف عليه ، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف ، كالحديث المذكور في البدء بالصفا ، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور ، لأن جواب الهجاء لا يكون إلا بعده ، أنها تدل على الترتيب لقيام الدليل أو القرينة على ذلك ، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليل راجح ، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو . ا ه . وذكر ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره هذه الآية أحاديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في السنن وغيرها تدل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه ، بأن يقول : السلام عليكم ، أأدخل ؟ فانظره ، وقد قدمنا أن النووي ذكر أنه صح فيه حديثان ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، والمختار أن صيغة الاستئذان التي لا ينبغي العدول عنها أن يقول المستأذن : السلام عليكم أأدخل ؟ فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف ، كما دلت عليه الأدلة . واعلم أن الأحاديث الواردة في قصة عمر مع أبي موسى في الصحيح في سياقها تغاير لأن في بعضها : أن عمر أرسل إلى أبي موسى بعد انصرافه ، فرده من حينه ، وفي بعضها أنه لم يأته إلا في اليوم الثاني ، وجمع بينها ابن حجر في الفتح قال : وظاهر هذين السياقين التغاير ، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلا في اليوم الثاني ، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال إلى أن قال ويجمع بينهما : بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه ، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني . ا ه . منه . والعلم عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 118 | الشنقيطي