تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر رضي اللّه عنه ، ومسطح ، بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير ، وكانت أمه ابنة خالة أبي بكر رضي اللّه عنه ، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته ، وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها بالإفك المذكور في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
[ النور : 11 ] الآية ، وهو ما رموها به من أنها فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي رضي اللّه عنه . وقصة الإفك معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من هذه السورة الكريمة ، وفي الأحاديث الصحاح ، فلما نزلت براءة عائشة رضي اللّه عنها في الآيات المذكورة ، حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح ، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى عائشة بالإفك ظلما وافتراء ، فأنزل اللّه في ذلك :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الآية . وقوله :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
أي لا يحلف فقوله : يأتل وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين ، تقول العرب آلى يؤلى وائتلى يأتلي إذا حلف ، ومنه قوله تعالى :
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ
[ البقرة : 226 ] أي يحلفون مضارع آلى يؤلى إذا حلف . ومنه قول امرئ القيس :
ويوما على ظهر الكثيب تعذرت * علي وآلت حلفة لم تحلل
أي حلفت حلفة . وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثي زوجها عبد اللّه بن أبي بكر رضي اللّه عنهم :
فآليت لا تنفك عيني حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
والألية اليمين ، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز :
قليل الألابا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الألية برت
أي لا يحلف أصحاب الفضل والسعة : أي الغنى كأبي بكر رضي اللّه عنه ، أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللّه كمسطح بن أثاثة . وقوله : أن يؤتوا : أي لا يحلفوا عن أن يؤتوا ، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وأن وصلتهما مطرد . وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم ، ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهيا عنه . ومفعول يؤتوا الثاني محذوف : أي أن يؤتوا أولى القربى النفقة والإحسان ، كما فعل أبو بكر رضي اللّه عنه . وقال بعض أهل العلم قوله : ولا يأتل : أي لا يقصر أصحاب الفضل ، والسعة كأبي بكر في إيتاء أولى القربى كمسطح ، وعلى هذا فقوله يأتل يفتعل من ألا يألوا في الأمر إذا قصر فيه وأبطأ .