تنبيه
اعلم أن أقوال أهل العلم في فرقة اللعان قدمناها مستوفاة في سورة البقرة في كلامنا الطويل على آية
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
[ البقرة : 229 ] الآية ، وقد قدمنا كلام أهل العلم واختلافهم في لعان الأخرس في سورة مريم ، ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية ، ومن أراد استقصاء مسائل اللعان فلينظر كتب فروع المذاهب الأربعة .
قوله تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 21 )
[ 21 ] .
بين جل وعلا في هذه الآية ، أنه لولا فضله ورحمته ، ما زكا أحد من خلقه ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه .
ويفهم من الآية أنه لا يمكن أحدا أن يزكي نفسه بحال من الأحوال ، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
[ النساء : 49 ] الآية . وقوله تعالى :
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
( 32 ) [ النجم : 32 ] .
والزكاة في هذه الآية : هي الطهارة من أنجاس الشرك ، والمعاصي .
وقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
أي يطهره من أدناس الكفر والمعاصي بتوفيقه وهدايته إلى الإيمان والتوبة النصوح ، والأعمال الصالحة .
وهذا الذي دلت عليه هذه الآية المذكورة لا يعارضه قوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
( 9 ) [ الشمس : 9 ] ولا قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
( 14 ) [ الأعلى : 14 ] على القول بأن معنى تزكى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي ، لا على أن المراد بها خصوص زكاة الفطر ، ووجه ذلك في قوله : من زكاها أنه لا يزكيها إلا بتوفيق اللّه وهدايته إياه للعمل الصالح ، وقبوله منه .
وكذلك الأمل في قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
( 14 ) [ الأعلى : 14 ] كما لا يخفى .
والأظهر أن قوله :
ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
الآية : جواب لولا التي تليه ، خلافا لمن زعم أنه جواب لولا في قوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 20 ) وقد تكرر في الأيات التي قبل هذه الآية حذف جواب لولا ، لدلالة القرائن عليه .
قوله تعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 22 )
[ 22 ] .