ومنه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
[ آل عمران : 118 ] أي لا يقصرون في مضرتكم ، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي :
وأشمط عريان يشد كتافه * يلام على جهد القتال وما أئتلا
وقول الآخر :
وإن كنائني لنساء صدق * فما آلى بني ولا أساءوا
فقوله : فما آلى بني : يعني ما قصروا ، ولا أبطؤوا والأول هو الأصح . لأن حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحا بنافعة ، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف . وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولى القربى والمساكين والمهاجرين ، جاء أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ
[ البقرة : 224 ] أي لا تحلفوا باللّه عن فعل الخير ، فإذا قيل لكم : اتقوا وبروا ، وأصلحوا بين الناس قلتم : حلفنا باللّه لا نفعل ذلك ، فتجعلوا الحلف باللّه سببا للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية .
وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتين على المعنى المذكور ، وذكرنا ما يوضحه من الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
[ المائدة : 89 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
فيه الأمر من اللّه للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا - وأصل العفو : من عفت الريح الأثر إذا طمسته .
والمعنى : فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم ، والصفح ، قال بعض أهل العلم مشتق من صفحة العنق أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق ، معرضين عنها . وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى :
* وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 )
[ آل عمران : 133 - 134 ] وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن الناس ، من صفات أهل الجنة ، وكفى بذلك حثا على ذلك . ودلت أيضا : على أن ذلك من الإحسان الذي يجب اللّه المتصفين به وكقوله تعالى :
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 )
[ النساء : 149 ] وقد بين تعالى في هذه الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى ، وكفى بذلك حثا عليه . وكقوله تعالى :
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 )
[ الحجر : 85 ] وكقوله :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 )
[ الشورى : 43 ] إلى