كقوله :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
( 97 ) [ مريم : 97 ] ، وقوله :
المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
( 2 ) [ الأعراف : 1 - 2 ] .
وقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة « الأعراف » . وأوضحنا هنا لك المعاني التي ورد بها الإنذار في القرآن . والبأس الشديد الذي أنذرهم إياه : هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة والبشارة : الخير بما يسر .
وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء ، ومنعه قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 7 ) [ لقمان : 7 ] ومنه قول الشاعر :
وبشرتني يا سعد أن أحبتي * جفوني وقالوا الود موعده الحشر
وقول الآخر :
يبشرني الغراب ببين أهلي * فقلت له ثكلتك من بشير
والتحقيق : أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء ، أسلوب من أساليب اللغة العربية . ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازا ، ويسمونه استعارة عنادية ، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ
بينت المراد به آيات أخر ، فدلت على أن العمل لا يكون صالحا إلا بثلاثة أمور :
الأول - أن يكون مطابقا لما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات اللّه وسلامه عليه فليس بصالح ، بل هو باطل ، قال تعالى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
[ الحشر : 7 ] الآية ، وقال :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] وقال :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] الآية ، وقال :
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
[ الشورى : 21 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات .
الثاني - أن يكون العامل مخلصا في عمله للّه فيما بينه وبين اللّه ، قال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] الآية ، وقال :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ
[ الزمر : 11 - 15 ] إلى غير ذلك من الآيات .
الثالث - أن يكون العمل مبنيا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة ، لأن العمل كالسقف ، والعقيدة كالأساس ، قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
[ النحل : 97 ] . الآية ، فجعل الإيمان قيدا في ذلك .