ومن هذا القبيل قول المنطقيين : السالبة لا تقتضى وجود الموضوع ، كما بيناه في غير هذا الموضع .
وما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - بينه في مواضع أخر ، كقوله :
وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ
( 100 ) [ الأنعام : 100 ] ، وقوله في آبائهم :
أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
( 104 ) [ المائدة : 104 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
يعني أن ما قالوه بأفواههم من أن اللّه اتخذ ولدا أمر كبير عظيم ؛ كما بينا الآيات الدالة على عظمه آنفا ؛ كقوله :
إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً
( 40 ) [ الإسراء : 40 ] ، وقوله :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
( 90 ) [ مريم : 90 ] الآية . وكفى بهذا كبرا وعظما .
وقال بعض علماء العربية : إن قوله
كَبُرَتْ كَلِمَةً
معناه التعجب ؛ فهو بمعنى ما أكبرها كلمة . أو أكبر بها كلمة .
والمقرر في علم النحو : أن « فعل » بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح ، فتكون من باب نعم وبئس ، ومنه قوله تعالى :
كَبُرَتْ كَلِمَةً
الآية . وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله :
واجعل كبئس ساء واجعل فعلا * من ذي ثلاثة كنعم مسجلا
وقوله « كنعم » أي اجعله من باب « نعم » فيشمل بئس . وإذا تقرر ذلك ففاعل « كبر » ضمير محذوف في
كَلِمَةً
نكرة مميزة للضمير المحذوف ؛ على حد قوله في الخلاصة .
ويرفعان مضمرا يفسره * مميز كنعم قوما معشره
والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير : كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها ، وهي قولهم : اتخذ اللّه ولدا ، وأعرب بعضهم
كَلِمَةً
بأنها حال ، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم . وليس بشيء .
وقال ابن كثير في تفسيره
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي ليس لها مستند سوى قولهم ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم ، ولذا قال :
إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
( 5 ) .
وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد في القرآن ؛ كقوله :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
[ آل عمران : 167 ] ونحو ذلك من الآيات .
والكذب : مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال .