الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
( 32 ) [ فاطر : 32 ] .
وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
( 1 ) أي لم يجعل في القرآن عوجا ؛ أي لا اعوجاج فيه البتة ، لا من جهة الألفاظ ، ولا من جهة المعاني . أخباره كلها صدق ، وأحكامه عدل ، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه ، وأخباره وأحكامه ؛ لأن قوله « عوجا » نكرة في سياق النفي ؛ فهي تعم نفي جميع أنواع العواج .
وما ذكره جلّ وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه - بينه في مواضع أخر كثيرة كقوله :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
( 28 ) [ الزمر : 27 - 28 ] ، وقوله :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 115 ) [ الأنعام : 115 ] . فقوله « صدقا » أي في الأخبار ، وقوله « عدلا » أي في الأحكام وكقوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
( 82 ) [ النساء : 82 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا .
وقوله في هذه الآية الكريمة
قَيِّماً
أي مستقيما لا ميل فيه ولا زيغ . وما ذكره هنا من كونه
قَيِّماً
لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضا في مواضع أخر ، كقوله
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 1 ) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ( 2 ) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
( 3 ) [ البينة : 1 - 3 ] ، وقوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء :
9 ] الآية ، وقوله :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 37 ) [ يونس : 37 ] . وقوله تعالى :
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 111 ) [ يوسف :
111 ] وقوله
ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
( 2 ) [ البقرة : 1 - 2 ] ، وقوله
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
( 1 ) [ هود : 1 ] وقوله :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى
قَيِّماً
هو قول الجمهور وهو الظاهر . وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
( 1 ) لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر . ولذا جمع تعالى ، بين نفي العوج وإثبات الاستقامة .
وفي قوله « قيّما » وجهان آخران من التفسير :
الأول - أن معنى كونه « قيّما » أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية ، أي مهيمن عليها وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
[ المائدة : 84 ] الآية .